خربشات في زمن التيه...

بقلم: يونس العموري

في زمن التيه ، وخربشات المعادلات ، وانفلات الحقوق ، والإدعاء بالباطل وقلب الحقائق ، يبرز من بين الثنايا ، القزم من رعاع القوم ، بهدف التلاعب بالمصائر ، وفي ظل الخنوع تنقلب معادلة الاحرار ، ويصبح المشهد عبثيا وربما غير قابل للصدق وان كان فعلا حاضر واقعا واقعيا ، فرأس الدولة العبرية المحتلة القائمة على اسطورة العبث والعبثية وبمنطق القوة واستعباد الأخر، يحتفل بثورة الاحرار ويقتحم عرين الناصر، قاهر حلمهم في عاصمة الإستيطان العبري الحديث مهنئا مباركا.

وقد يكون اشاد بالواقع الراهن متشفيا من زعماء الرفض وانصار الثأر ومواجهة النار بالنار ليُقتل الثائر الحر مرة اخرى ، ذاك الذي كان المجاهر بمنطق قوة المنطق واعتلاء منصة الفعل والفعل المضاد، فحينما يتجرأ يهوذا مباشرة على التاريخ فاعلم سيدي اننا في زمن التيه وخربشة الموازين وانقلاب الحقائق ، واعلم ان الكثير من القابعين على العروش قد اصبحوا الصغار الصغار، وجنرالات اللحظة قد اضحوا اضحوكة للعبث بين ايدي الاطفال، فهم الصغار والتاريخ قد صار عبثيا وعبئا للقابضين على الجمر والنار،

هو المشهد المؤلم للعروبة والفكر الحر المنطلق من الايمان بضرورة تحرير الانسان وامتلاك جذوة الحقيقة وأخذ المبادرة والمباغتة اولا والتحرر والتحرير. ففي زمن الإنهيار تتبدل الادوار ، وتتشظى ايقونات الفعل ورموز النهضة والإستنهاض.

كم هو السقوط مدو لكل متسلق تطفليا على الأزمات، يحاول ان يصنع لنفسه ملكوتا خاصا به ومجدا على حساب الفقراء التائهين ما بين زعماء عصر الردة في ظل رويبضات المرحلة، يريد ان يعتلي مصاف زعماء التاريخ الذين يصنعون اللحظة الحاسمة ويتخذون القرار دون خوف او وجل ويدركون معنى الفعل الجماهيري المنطلق من الايمان بحتمية انتصار الحطابين والفلاحين في الحقول الذين يعايشون نبض الأمة.

كم هو السقوط مدو في عالمنا العربي لكل من يريد ان يشق الصفوف ويدوس على كل القيم كخطوة بدرب سيرته التي يريد ويهدف حيث حدد مساره وينسج تحالفاته في محاولة منه لصناعة اسطورته الكرتونية الورقية محكما اضلاع مثلثه بالمال والنفوذ وسلطة القرار، فيفرض ذاته من خلال قرارات الشيطان على سدة الحكم ويمسك بصناعة العوالم السوداء وفي الغرف المظلمة يكُلف بالمهمات وهي كثيرة تبدأ بمحاولة تقزيم المارد ولا تنتهي عند تحطيم المقدسات والتشكيك بالتاريخ المنطلق من خلاله المستقبل وتسخيف الحاضر والتشكيك بالقدرة وتحدي التحدي ليكون التسليم بمكونات الراهن بكل حيثياته بهدف التصالح واياه والدفع باتجاهات الواقعية الوقائعية.

أيتها الحكاية كم أنت مثقلة بالحروف وبالجمل غير المترابطة والعصية على الفهم والاستيعاب … والرواة مختلفون ومتبارون بسردها … والكل يعلم أصل الرواية وأقاصيصها وفصولها والتوقف عند فواصلها.

والبداية كانت منذ أن كان القرار في اكثر من قطر عربي بالخلاص من الاستعباد والإمساك بزمام المبادرة و ومنذ ان سقط الفتى قربانا للتنين وصار إيقونة معلقة بافئدة الفتية المنتشرين على النواصي وعند الشواطىء، الحالمين بالأمس الممتد نحو الغد الرافضين لليوم وقوانينه. ووسط الزحام وجد البسطاء أنفسهم قادرين وظنوا انهم للتنين صارعين، وتعالت الصيحات مهللة بنشوة الانتصار، وكان ما كان من انجازات والتحدي هنا لفرض الحقيقة .

وأفاقوا على الكابوس من جديد وسقط الشعار الأبرز بتحالف الفلاح البسيط مع جنرالات العسكر وبسطاء الميادين بعد أن ظن من ظن أن حماة الديار هم ذاتهم من يحمي الرقيق التواقين للإعنتاق من قبضة الولاة بالقلاع والحصون، فداستهم بلحظة بساطير الجند بأمر من أصحاب المقامات الرفيعة النسور والسيوف والنياشين، وكان العري والتعري في العراء وسط ذلك المشهد العظيم والكل وقف مشدوها من هول الصدمة المفاجأة لجموع المسحوقين.

وكان السؤال لماذا هذا الانقلاب في الموازيين ؟ واختلاف فنون وأساليب التعاطي والتعامل مع فقراء الأزقة والميادين … بعد أن قوبلت بنادقهم بالورد والياسمين؟ وبعد أن تبادولوا القبلات يوم أن تم الإعلان عن سقوط التني،؟ فهل لذلك علاقة بالسيناريو الذي رُسم منذ البدايات؟ أم أنها النهاية للطفرة العربية؟ أم أنها الأوامر العليا للمُستثمر في أسواق الربيع العربي؟ أم هي الفوضى المبشر بها بنصوص فلاسفة رعاة البقر …؟؟

مرة أخرى يكون العبث بمصير الأطفال بحواري الفقراء ونبيهم وسيدهم ، ومرة أخرى تضيع الحقيقة الغائبة المغيبة عمن يقتل ويذبح ويفجر باسم الرب وباسم الصلاة والصوم، ومرة أخرى نجدنا مضطرين مدافعين عن قدرة الله تعالى بجمع عمر وياسين وجريس على مائدة العشاء الأخير، ومرة أخرى نجدنا نسوق أنفسنا مرغمين لنقدم واجب العزاء. ونحن هنا الجالسين على أرصفة الانتظار بالأزقة ما بين معراج النبي العربي وقيامة يسوع المسيح نجدنا خائفين والخوف هذه المرة سقيم مرعب.

حينما تحترق بيوت الله على الضفاف هناك يهتز البيت العتيق قبلة الله الأولى بايلياء المحبة .