غسان كنفاني شوهد مع أم سعد في القدس

بقلم: عيسى قراقع

عضو المجلس التشريعي، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين سابقا

خرج من انفجاره وشظاياه ورماده واحتوى جسده وقلمه وروحه وعاد إلى الحياة، هي معجزة غسان كنفاني العظمى، ظن الإسرائيليون أنهم نسفوا كتيبة عسكرية كاملة عندما اغتالوا غسان كنفاني يوم 8/7/1972 في بيروت، فإذا بهم يجدونه الان في مدينة القدس، في ساحاتها العتيقة، يحمل قلما ومسدسا ويكمل رواية العاشق التي لم يستطع إكمالها بعد ان جرى اغتياله، هو العاشق البطل الفلسطيني الملحمي الذي يخرج من التاريخ القريب يتنقل في شوارع القدس، ومن حارة إلى حارة، الرواية تكتمل الان ويكتمل المكان المفقود والزمان المفقود بعد الصلاة.

الجيش الإسرائيلي استنفر وضرب طوقا مشدداً على مدينة القدس، حواجز وتفتيشات واعتقالات وكاميرات، نشروا صوره، يبحثون عن غسان كنفاني، يبحثون عن حلمه الذي تحقق، عن هذا النبي الذي انتظرته فلسطين وعاد إليها بعد 47 عاما، كيف استطاع غسان ان يغلق الدائرة بوصوله إلى أرضه؟ تساءل الإسرائيليون وبداوا يقرأون ويراجعون ما كتبه غسان كنفاني عندما قال لهم يوماً: أفتش عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، فلسطين الجديرة ان أموت من اجلها واحمل السلاح من اجلها وأبعث من جديد من اجلها.

أهالي القدس قالوا أنهم شاهدوا غسان كنفاني برفقة امرأة فلسطينية فلاحة اسمها أم سعد، تضع على كتفها كوفية، تجلس مع النساء المرابطات في ساحة المسجد الأقصى، تتصدى للمستوطنين المتطرفين الذين يعتدون يوميا على الأماكن المقدسة، أم سعد زرعت دالية عنب في عين الحلوة، وأم سعد تقطف الزرع الان في القدس، كبرت الدوالي، كبر سعد، من أين جاءت ام سعد؟ قال غسان انها تصعد من قلب الأرض وكأنها تصعد سلما لا نهاية له، تتنفس من رطوبة هواء و تراب القدس وترانيمها وصلواتها القدسية، ما أكثر أبناءها الان، نزلوا عن الصلبان، خرجوا من خيام الذل إلى خيمة المواجهة والصمود والحقيقة.

غسان كنفاني في القدس، خرج من الصهريج، قرع جدران الخزان، لن يموت في صحراء غريبة، لن تأسر رسوماته وأقواله حالة العجز والهزيمة، لن ابق محاصرا وعبدا للفقر ولقمة الخبز وفي يدي عروق كثيرة وألف سنبلة، احمل وطني على كتفي وأعود إلى فضاء فلسطين، هناك ساجد الشمس في سماء فسيحة.

أجهزة الأمن في دولة إسرائيل المحتلة أعلنت حالة الطوارئ، يقولون ان هناك خطر من عودة غسان كنفاني، انه يقود مشروع الهوية الثقافية المقاتلة المشتبكة، لا يكتب إلا أدب المعركة، صاحب رؤية متجددة، غسان كنفاني سيفشل كل ما عملناه منذ ان قلتناه بتطويع وقهر الثقافة الفلسطينية وتهشيم رموزها ومعناها وتراجعها إلى درجة الطاعة والتطبيع وقبول الأمر الواقع، غسان جاء لاستعادة سيادة الشعب الفلسطيني بإكمال مشروعه الثقافي الوطني التحرري.

غسان جاء وهو يملك ذخيرة الرد على الرواية الصهيونية وسياسة طمس المكان والزمان التي تمارسها يوميا، غسان سيحارب منهجية التفريغ الثقافي والقيمي التي جهدنا لتكريسها، يحمل أدب الكفاح الذي سينشر مرة أخرى الوعي القومي الفلسطيني ويفتح أمامه افاقا جديدة غير محدودة، انه انتفاضة ثقافية سيعيد بناء الوجود الثقافي للشعب الفلسطيني، المطلوب اغتيال غسان مرة أخرى، انه لا يقبل الحوار مع المستعمرين، انه لا يحمل على كتفيه سوى البنادق والذاكرة، يذهب إلى الماضي، إلى حيفا وعكا ليوقظ البحر واللاجئين والبيوت المدفونة يحييها ثم يجابه الحاضر، المطلوب قتل غسان وطرد أم سعد واعتقال كل النساء وكل أولاد أم سعد، أعدموهم على الحواجز، زجوهم في المعسكرات، غسان حالة خطر وجودي الان على دولة إسرائيل.

شوهد غسان كنفاني مع أم سعد في القدس، أربع روايات عاد بها في رحلته الجديدة إلى فلسطين، وتفاجأ مسؤول الشاباك الإسرائيلي عندما قيل له: انك ان أردت ان تلقي القبض على غسان كنفاني عليك ان تلقي القبض على الأرض، انه صاحب رواية، روايته هي الوعي الجديد التي ستصنع الحقائق بالعودة والوحدة والحرية، روايته هي الخطر الأكبر على مشروع صفقة القرن الأمريكية وورشة المنامة وتصفية قضية اللاجئين وشطب الهوية القومية والثقافية للشعب الفلسطيني.

غسان في القدس برفقة أم سعد، يرفض الغربة في الموت وفي الحياة، يرفض العبودية والحياة المبتذلة، انه يختار الموت الذي يريد وفي الوقت الذي يريد، فالحياة لا قيمة لها ان لم تكن دائما واقفة قبالة الموت، وسمع الناس أم اسعد تقول لغسان: ما أجمل الموت في القدس، لقد بدات معك يا غسان وسوف انتهى معك، وسأظل أعود.

بعد 47 عاما على رحيل الشهيد غسان كنفاني لا زال الأديب العربي يوسف إدريس يحثنا بقوله:( اقراوا كتب غسان كنفاني مرتين، مرة لتعرفوا انكم تحفرون قبوركم بايديكم وانتم لا تدرون، قبور الثقافة بلا ثورة، والثورة بلا ثقافة، واجعلها يا شعب فلسطين قرآنك فهي لأمة تصنع الرجال، ام ان هذه الأمة لم يعد يهمها ان تصنع الرجال).