القرش الأصفر لليوم الأسْود!

- دعوات إلى وضع حلول وطنية للأزمة الاقتصادية المتدحرجة

- حالات بيع يومية للذهب وأزمة سيولة تخنق الأسواق

- حجم التراجع في عمليات الشراء بلغ 60 % مقارنةً بالصيف المنصرم

- تغيير في عادات الزواج وانقلاب في أسواق المعادن الثمينة

رام الله - "القدس" دوت كوم - غسان الكتوت - يُقال في المثل الشعبي: "خبّي قِرشك الأبيض ليومك الأسود"، وفي ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، وصرف نحو نصف الراتب لموظفي القطاع العام، بدأ كثيرون بإخراج قروشهم الصفراء (الذهب) التي ادّخروها عبر الزمن، ليستعينوا بها على قساوة الواقع الحالي.

وللذهب في العادات الاجتماعية الفلسطينية أهمية كبيرة، فإلى جانب كونه المعدن الأبرز الذي تتخذ منه النساء زينةً وحليةً لهن، يُعد الذهب مخزنًا للقيمة وادّخارًا لمستقبلٍ غامضٍ محفوفٍ بالمخاطر. وشهدت أسعار الذهب عالميًا ارتفاعات متتالية منذ أواخر العام المنصرم، ووصل سعر أونصة الذهب إلى نحو 1400 دولار.

ارتفاع ملحوظ على بيع المصاغات الذهبية

في سوق الذهب وسط مدينة نابلس، بدا المشهد كما لو أنه حركة تجارية نشطة، نساء ورجال يدخلون معارض الصاغة ويخرج آخرون، في حركةٍ دؤوبةٍ تعطي صورةً ورديةً مخادعةً لما هي عليه الحال.

وقبل أيام، أعلن مدير عام مديرية المعادن الثمينة في وزارة الاقتصاد الوطني المهندس يعقوب شاهين أن ارتفاعًا ملحوظًا طرأ على بيع المصاغات الذهبية (الكسر)، في ظل الأزمة المالية الراهنة.

وأوضح أن كميات الذهب الواردة لمديرية المعادن الثمينة انخفضت خلال شهر حزيران الماضي بنسبة 6%، مقارنةً بالشهر ذاته من العام المنصرم، إذ بلغت 789 كيلوغرام تقريبًا.

وبيّن أن إيرادات مديرية المعادن الثمينة جرّاء عمليات الدمغ، التي بلغت نحو مليون و42 ألف شيكل تقريبًا، انخفضت عن الشهر نفسه من العام الماضي بنسبة 1%.

Screen Shot 2019-07-16 at 2.04.37 PM

وقال شاهين إن الكميات المَبيعة من المواطنين تغطي جزءًا كبيرًا من حاجة السوق المحلي، وهذا الأمر لم يلاحَظ منذ عام 2013.

وتستوعب المصانع المحلية ما بين 800-900 كيلوغرام من الذهب خلال موسم الصيف، ومعظم هذه الكمية كانت تأتي من الخارج، أما الآن فإن ما يبيعه المواطنون للصاغة يغطي معظم حاجة هذه المصانع.

ويوضح شاهين أن 70% من الذهب في فلسطين يذهب لتجهيز العرائس، وأن اللجوء إليه لا يكون إلا عند الحاجة وكخيار أخير، نظرًا لأن البيع تتبعه خسارة قيمة (المصنعية).

وتبلغ قيمة المصنعية للذهب المصنّع في الخارج نحو 10 دولارات للغرام الواحد، فيما تبلغ في الصناعة المحلية 2-3 دنانير أُردنية.

ويشير شاهين إلى أن زيادة إقبال الناس على بيع الذهب أدت إلى نقصٍ حادٍّ في السيولة، بسبب قيام التجار بشراء كمياتٍ كبيرةٍ من الذهب الكسر، الأمر الذي يؤدي إلى أزمةٍ أُخرى، وهي انخفاض سعر بيع الكسر عن السعر العالمي بنحو 10 دولارات.

ويؤكد أنّ مديرية المعادن الثمينة لا تستطيع أن تتدخل في تحديد السعر، نظرًا لكون الاقتصاد الفلسطيني يعتمد نظام السوق المفتوح، لكنّ المديرية تراقب، وستتدخل عند وجود تلاعبٍ كبيرٍ في الأسعار.

ويشير إلى أن الأزمة لا تقتصر على فلسطين فحسب، وإنما تعاني منها دول الجوار أيضًا، حيث يتم بيع الكسر هناك بسعرٍ أقل من السعر العالمي بنحو 30-40 دولارًا.

ذهَبَ الذَّهب!

ويؤيد مجدي البزرة، رئيس نقابة الصاغة في نابلس وعضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة نابلس، ما جاء على لسان شاهين، مبينًا أن توجهات البيع والشراء لدى المواطنين انقلبت تمامًا.

وفي حديثه لـ "القدس" يقول البزرة: "في السنة الماضية كان 30% من المواطنين يأتون لبيع الذهب (الكسر) مقابل 70% يشترون، هذه النسبة انقلبت تمامًا هذا العام".

Screen Shot 2019-07-16 at 2.00.39 PM

ويُبيّن البزرة أن الارتفاع الكبير على أسعار الذهب عالميًا، الذي تزامن مع الأزمة المالية للسلطة وحاجة الناس للسيولة، أدى إلى ارتفاعٍ كبيرٍ في عرض الذهب، ونتج عن ذلك تخبطٌ وتذبذبٌ في الأسعار.

ويضيف: "الناس وجدوا فرصةً لبيع مدخراتهم والاستفادة من السعر المرتفع، خاصة أولئك الذين عليهم التزامات مالية، فهم مضطرون لبيع الذهب ليغطوا التزاماتهم".

ويشير البزرة إلى أنه "مع الزيادة الكبيرة في العرض بدأ تجار الذهب يواجهون مشكلة نقص السيولة، فالتاجر مهما بلغت إمكاناته المالية، ليست لديه قدرة على الاستمرار بالشراء من دون تصريف الكميات التي تتراكم لديه".

ويتابع: حتى لو واصلت الأسعار ارتفاعها عالميًا، فهذا لا يعني بالضرورة تحقيق ربح، لأن الأسعار تتذبذب، وهو ما يعرض التاجر للخسارة.

gold-souk-dubai

ويوضح البزرة أنه "عندما كان السعر العالمي منخفضًا، كنا ندفع سعرًا أعلى بسبب الطلب الكبير، أما اليوم فالتاجر يشتري على سعر الشاشة (السعر العالمي)، وأحيانًا أدنى منه، بسبب كمية العرض الكبيرة والسعر المرتفع".

ويقول: إن الصاغة ينتظرون على أحر من الجمر فصل الصيف من كل عام، الذي كان يفترض أن يبدأ هذا العام بعد شهر رمضان ويستمر حتى نهاية شهر أيلول، للاستفادة من موسم الأعراس والمناسبات، لكن ما جرى أثّر على توقعاتهم بشكلٍ ملموس.

حالات بيع يومية وسط أزمة سيولة

هيثم هندية، أحد أصحاب معارض الذهب في نابلس، يؤكد في حديثٍ لـ "القدس" أنه يستقبل يوميًا العديد من الحالات التي تأتي لبيع الذهب لتلبية احتياجاتها المالية، ويقول: "يوميًا يأتيني رجال ونساء يعرضون حليًّا ومصاغات ذهبية". ويُبيّن أن الراغبين في بيع الذهب ليسوا بالضرورة من موظفي الحكومة ممن يتقاضون نصف الراتب، بل من مختلف الشرائح، لأن عجلة الاقتصاد عندما تتوقف ينعكس أثرها على الجميع.

ويعتبر هندية أن "زيادة إقبال الناس على البيع تسببت بأزمة سيولة لدى التجار، الذين يجدون حرجًا في رفض الشراء".

ويضيف: "أحيانًا أُحجم عن الشراء بسبب نقص السيولة، لكن عندما يكون مَن يُريد البيع أحد الزبائن فأنا مضطر لإرضائه".

ويقدر هندية حجم التراجع في عمليات الشراء لدى المواطنين في هذا الموسم بنحو 60% مقارنةً بفصل الصيف من العام المنصرم.

تاجر يبيع مصاغ زوجته ليُسدد التزاماته

وأرخت الأزمة الاقتصادية بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية، وبدأت تجلياتها تظهر في حجم الشيكات البنكية المرتجعة وقيمتها.

(ع. ف)، وهو تاجر ألبسة يمتلك عدة معارض في مدينة نابلس، وجد نفسه مضطرًا للاستعانة بمصاغ زوجته للوفاء ببعض التزاماته.

ويقول لـ"القدس" دوت كوم إنه وبسبب نقص السيولة لديه، اضطر لبيع مصاغ زوجته البالغة قيمته أكثر من 6 آلاف دينار أُردني لتغطية رصيده البنكي، بالرغم من أنّ له ديونًا على تجارٍ آخرين أضعاف هذا المبلغ.

ويُضيف: "لم أكن أتوقع، ولا أرغب في أن تصل بي الأُمور إلى أن ألجأ لبيع مصاغ زوجتي كي أُسدد التزاماتي، وحتى لا تُسجَّل عليَّ شيكات مرتجعة".

تغيير جذري على عادات اقتناء الحلي

ومع ارتفاع أسعار الذهب وضعف القدرة الشرائية بسبب الأزمة الاقتصادية، بدأ كثير من المقبلين على الزواج يُغيّرون من عادات اقتناء الحليّ والمصاغات الذهبية، وادخارها على شكلٍ نقديٍّ أو كودائع بنكية إلى حين تبدُّل الظروف.

الفتاة بسمة داود تقول لـ "القدس" إنها اتفقت مع خطيبها على عدم شراء الذهب قبل حفل الزفاف، وستستعيض عنه بعدة قطع من "الفالصو" أو ما يُعرَف بـ"الذهب الروسي".

وتُضيف: "أسعار الذهب مرتفعة، والشراء في هذا الوقت مخاطرة كبيرة إذا انخفض السعر بعد شهورٍ قليلة، ولهذا من الأفضل لي أن أحتفظ بقيمة الذهب نقدًا وأشتري المصاغ عند انخفاض الأسعار".

Screen Shot 2019-07-16 at 2.15.06 PM

أمّا رسمية الشيخ، التي كانت تصطحب ابنتها لشراء الذهب من أحد المعارض قبل الزفاف، فتقول لـ"القدس" إنها ستعمل بنصيحة قريباتها بشراء كمية قليلة من الذهب، والتريّث بشراء بقية المبلغ إلى ما بعد حفل الزفاف.

وتُضيف: "الأُمور غير واضحة حتى الآن، ولا نريد أن نشتري الذهب اليوم ونضطر لبيعه غدًا".

توجه استهلاكي ونمو استثماري

الدكتور بكر اشتية، أُستاذ الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية، يوضح لـ"القدس" أن التوجه لبيع الذهب هو انعكاس واضح لضعف القوة الشرائية لدى المواطن، خاصة فئة الموظفين الحكوميين وفئة التجار الذين يعتمدون على شريحة المستهلكين.

ويؤكد أن هذا التوجه يحمل دلالاتٍ اقتصاديةً استهلاكيةً أولًا، واستثماريةً ثانيًا.

ويقول: "الصعود الكبير في أسعار الذهب عالميًا شجع فئة الموظفين على بيع ما لديها من الذهب لمواجهة التزاماتها المالية، وحتى من لا يواجه مصاعب مالية، فهو يتوجه للبيع لتحقيق بعض المكاسب نتيجة فرق السعر".

Screen Shot 2019-07-16 at 2.00.31 PM

ويضيف اشتية: إن كثيرًا من الناس بدأوا بيع مدخراتهم من الذهب، ليس بالضرورة لسد ثغرات استهلاكية، وإنما أيضًا لتحقيق مكاسب استثمارية، وما جعل الأمر يبدو بشكلٍ ملموسٍ هو أنّ شريحة الموظفين تتوجه لبيع الذهب لسداد أقساط مدارس وجامعات أو مصروف البيت، خاصةً أنّ الظروف في هذه الفترة كانت مواتيةً جدًا، وكان من المفيد للموظف اللجوء إلى هذا المخزن للقيمة.

ويشير إلى أنّ اقتناء الذهب كمخزن للقيمة هو من العادات الجيدة في المجتمع الفلسطيني، التي تساعد في مواجهة الأزمات، وأنّ الأثر الاقتصادي على المدى القصير هو أثرٌ جيدٌ من خلال المحافظة على القوة الشرائية وتعويض نقص الراتب.

ويرى اشتية أنه "بمجرد عودة الأُمور إلى نصابها، واستيفاء الموظفين بقية رواتبهم، ستبدأ عملية شراء الذهب مرةً أُخرى عند انخفاض السعر".

نحو آلية وطنية لتخفيف الأعباء عن الموظفين

ويدعو اشتية إلى إيجاد حلول وطنية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية الراهنة.

ويقول: "موظفو الحكومة يشكلون 15-17% من العمالة الفلسطينية، وهم من يدفعون الفاتورة، وحتى داخل هذه الشريحة هناك من لديهم مصادر دخل إضافية".

ويرى أن "ما يجعل صوت هذه الشريحة منخفضًا هو الغلاف الوطني الذي يُغلّف هذه الأزمة (رواتب الأسرى والشهداء)، وكون الشريحة المتضررة تمثل أقلية، وهذا يستوجب إيجاد آلية وطنية لتوزيع الأزمة على أكبر شريحة ممكنة، لتخفيف العبء عن هذا الموظف".

ويقول: "الأزمة ممكن أن تطول أكثر، وحتى نُمكّن هذا الموظف من الصمود، يجب توزيع الأزمة على أكبر شريحةٍ ممكنة، وأن تتحمل بقية شرائح المجتمع جزءًا من الضغط".

ويؤكد أن هناك آلياتٍ عدةً يمكن تطبيقها في هذا الصدد، لكنها بحاجةٍ إلى قرارٍ وطنيٍّ .

ويرى اشتية أن "الفصائل والتنظيمات يجب أن تكون لها رؤية وطنية وكلمة، لأن مخزون الذهب لدى الموظف سينفد بعد تسديد بعض الالتزامات، فلمن سيلجأ إذا طالت الأزمة؟".

Old Gold Jewelry