"غيبوبة الطعام".. لماذا نشعر بالنعاس بعد تناول وجبة الغداء؟

رام الله - "القدس" دوت كوم - (الجزيرة) - دقات الساعة تعلن عن الثالثة عصرا، لا تزال في العمل جالسا على مكتبك، ولديك بعض المهام التي ينبغي تنفيذها، لقد انتهيت قبل عدة دقائق من تناول شطيرة البرجر والبطاطس المقلية في وجبة الغداء، لكنك الآن تشعر بأنك لست على ما يرام. تنظر حولك، تجد بعض زملائك يؤدون مهامهم بنشاط، بينما البعض الآخر مثلك تماما، يتأملون شاشة الكمبيوتر، ويشعرون بالإرهاق والتعب، غارقين في الخمول والكسل، ولديهم رغبة لا تقاوم في النوم للدرجة التي يجدون معها مجرد إبقاء عيونهم مفتوحة أمرا غاية في الصعوبة. أغلبنا مر بهذا الشعور من قبل، في يوم عمل حافل، أو في عطلة ما، أو مناسبة اجتماعية مع العائلة تتضمن تناول الكثير من الطعام. لكن لماذا يخالجنا هذا الشعور؟ من أين يأتي كل هذا الخمول والرغبة القاتلة في النوم بعد تناول الطعام؟

غيبوبة الطعام

الشعور بالخمول والرغبة في النوم بعد تناول الطعام ظاهرة شائعة للغاية يتشارك فيها كثير من البشر، لدرجة أنه قد يكون السبب في عادة غلق المتاجر والمحال التجارية المنتشرة في الهند وبنغلاديش وبعض دول جنوب آسيا عند الـ 3 عصرا، من أجل اللحاق بقيلولة بعد تناول وجبة غداء دسمة غنية بالسكريات والكربوهيدرات. من المثير للانتباه أن هذه الظاهرة لا تقتصر على البشر فقط، بل تنتشر وبكثرة بين الحيوانات أيضا. نعم، فقد توصّل الباحثون في قسم الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية بجامعة فرجينيا إلى أدلة قوية تشير إلى أن النعاس بعد الأكل ظاهرة شائعة للغاية بين الحيوانات، ما جعلهم يطلقون عليها "غيبوبة الطعام".

رغم كثرة الافتراضات التي تحاول تفسير هذه الظاهرة، فإن أكثرها جذبا للانتباه هو ما اقترحته الدراسة السابقة ذاتها، والتي تشير إلى أن البشر والحيوانات لديهم إشارات يقظة مدمجة بعقولهم تجعلهم مستيقظين منتبهين عند الشعور بالجوع، لتساعدهم على تحديد مكان الطعام ومن ثم الحصول عليه. لكن، وبمجرد تناول كميات كبيرة من هذا الطعام، تتبدد إشارات اليقظة لتحل محلها مشاعر الخمول والتعب. بالطبع هذا الافتراض ما زال مجرد افتراض لا يستند إلى أدلة قوية، فحتى الآن لا يوجد سبب وحيد لذلك، لكن هناك عدة أسباب تتضافر معا لتُنتج هذه الظاهرة، بداية من النظام الغذائي وعملية الهضم، حتى عادات النوم والنشاط البدني.

الأطعمة لا تتشابه!

يمكن القول إن النظام الغذائي الخاص بنا يمتلك نصيب الأسد في حدوث غيبوبة الطعام، كل شيء يرتبط بالنظام الغذائي وعملية الهضم، مهما كان ضئيلا، تأثيره كبير في حدوث هذا الشعور، سواء كان يتصل بطبيعة الطعام أو نوعه أو حتى كميته. رغم أن عملية الهضم تسري بالطريقة ذاتها على الأطعمة كافة مهما اختلفت، فإن الأطعمة ليست سواء، ولا تؤثر على الجسم بالطريقة ذاتها. فبعض الأطعمة لها تأثير السحر عندما يتعلق الأمر بالنوم، للدرجة التي يمكن أن تجعلك غارقا في النوم كطفل رضيع. في البداية، دعنا نبسط الأمر قليلا، جميعنا نعرف أن أجسادنا تحتاج إلى طاقة لنتمكن من القيام بأداء وظائفنا ومهامنا اليومية مهما كانت بسيطة، المصدر الوحيد لهذه الطاقة هو الطعام الذي نأكله.

عند تناول الطعام، يقوم الجهاز الهضمي بتكسيره بما فيه من مغذيات كبرى مثل: البروتين والكربوهيدرات والدهون، ثم تحويله في النهاية إلى سكر الجلوكوز الذي يُعتبر بمنزلة الوقود والمصدر الرئيسي للطاقة عند معظم الكائنات الحية ليس البشر فقط. ثمة الكثير من الافتراضات التي تنص على أن الدورة الدموية تركز تدفقها على الأمعاء والمعدة للقيام بعملية الهضم خاصة بعد تناول وجبة كبيرة، ما يسبب في المقابل انخفاضا ملحوظا في تيار الدم والمغذيات والأكسجين المتدفق إلى الدماغ، ما يعزز الشعور بنقص الطاقة والرغبة الشديدة في النعاس.

لكن هذا الافتراض تم دحضه من قِبل دراسة بحثية أُجريت في قسم الإشعاع بجامعة ستانفورد، نُشرت في عام 2004، ووضّحت أن هذا الافتراض يتناقض تماما مع أحد المبادئ الفسيولوجية العصبية المعروفة الذي ينص على أن تدفق تيار الدم المتدفق للدماغ لا يتأثر خلال مجموعة واسعة من الوظائف الفسيولوجية. وأكّدت عدم وجود تغيير ملموس في تدفق الدم في الشريان السباتي الأصلي -الذي يجري جانب الرقبة ليمد الرأس والدماغ بالدم- خلال حالات ما بعد الأكل. [3] فمثلا، أثناء أداء التمارين الرياضية يتم تحويل كمية كبيرة من تدفق الدم إلى العضلات، لكن في الوقت ذاته يتم الحفاظ على تدفق الدم إلى المخ كما هو، والأمر ذاته ينطبق على عملية الهضم.