الأغلبية لا تملك الحقيقة

بقلم: سائد كراجة

لو جاءك نبأ عاجل عن إعدام رجل حرقا مع كتبه، فإن أول ما تفكر به هو “داعش”، أو أحد التنظيمات المتطرفة ذائعة الصيت، والحقيقة أن الرجل الذي أُعدم هو الطببب والفيلسوف الإسباني الأصل ميغيل سيرفنت، حيث أعدمته الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر حرقا مع كتبه وأعلنت أنه مهرطق بسبب آرائه في قضية لاهوتية حول طبيعة السيد المسيح عليه السلام.


والمذهل أنه منذ زمن اليونان وحتى يومنا هذا، لم تخل حقبة تاريخية من ملاحقة وإعدام أو محاصرة أصحاب الفكر وخاصة هؤلاء الذين يقدمون فكرا معارضا لما هو مستقر في أزمانهم في فكر وعقائد السلطات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، وكأن سلوك استئصال المعارضين أو “المجددين” سياسة اتفق عليها أتباع الديانات السماوية والأرضية ولم يخرج عنها أيضا أتباع الأيديولوجيات والفلسفات السياسية على اختلاف توجهاتها يسارية كانت أم يمينية أم وسطية، وفي فضائنا العربي الإسلامي، هناك أمثلة كثيرة لذلك منها: حجر بن عدي، وهناك الحلاج، وقائمة طويلة للاغتيالات السياسية لشخصيات معارضة في العالم العربي المعاصر معروفة للجميع.


مذهل هذا الإنسان الذي لم يهذبه الدين، ولا ما يدعيه من خلق، ولا ردعته الكتب السماوية، ولا الايديولوجيات الأرضية، والمذهل أكثر أن سلوكه الوحشي في اقتلاع المعارضين أكثر وحشية مما تمارسه وحوش الغابة التي لم يصدر عنها فلسفات للجمال، ولا جاءها أو ادعت وحيا، ولا روجت لأيديولوجيات.
مذهل هذا الانسان الذي يقدم نفسه باعتباره خير المخلوقات، ويمارس تاريخيا أفعالا تتناقض مع ذلك.
الذي يقتل ليس الدين ولا التعاليم الدينية، الذي يقتل هو السلطة السياسية التي تستغل الدين، والتي تستعمله طريقا لاستمرار جبروتها، الذي يقتل هم رجال يدعون الدين، فيخشون أفكارا جديدة قد تطيح بقداستهم المزيفة، والتي هي وسيلتهم في السيطرة على الجموع، لأن الجموع كما يقول غوستاف لوبون، صاحب كتاب سيكولوجية الجماهير، تفكر في داخل المجاميع الاجتماعية بعقلانية أقل مما تفكر به على الصعيد الفردي، وهي تميل عندما تكون في مجاميع إلى الانقياد أكثر من التفكير النقدي العقلاني الواعي.


في العصر الحديث تنبه الناس إلى خطر الأغلبية والمجاميع والتكتلات الاجتماعية وظهرت دعوات ونظريات وهياكل قانونية لحماية الأقلية، كما ظهر اهتمام أكثر في تحصين الفرد وحماية تفرده وأفكاره وإن خرجت عن فكر المجاميع.
الفردية بهذا المعنى ليست أنانية ولا هدما للمجتمع كما يروج أصحاب التوجهات الجمعية، بل إن تفرد الفرد وتشجيع حرياته وحقوقه وتهيئة البيئة الاجتماعية والثقافية لتطوير تفرده هي صمام الأمان لمنع تغول المجاميع والأغلبيات الدينية أو الاجتماعية أو السياسية، ولا أعتقد أن من قبيل الصدفة أن خطاب الكتب السماوية كان موجها للفرد، وهذا التفرد لم يقتصر على صيغة الخطاب، بل وشمل تفرده في تقرير حريته وتحمل مسؤوليته على أساس فردي.


إن التنوع طبيعة بشرية دينية إنسانية، وإن من يحارب الفردية والتفرد هو ضد الطبيعة، وضد الضمير الديني والإنساني، غاية القول أن الأغلبية لا تملك الحقيقة دوما وقد أصاب ابن النفيس عندما قال: “وربما أوجب استقصاؤنا النظر عدولا عن المشهور والمتعارف، فمن قرع سمعه خلاف ما عهده، فلا يبادرنا بالإنكار، فذلك طيش، فرُبَّ شنع حق ومألوف محمود كاذب، والحق حق في نفسه، لا لقول الناس له، ولنذكر دومًا قولهم: إذا تساوت الأذهان والهمم، فمتأخر كل صنعة خير من متقدمها”. فاهم على ابن النفيس جنابك؟!

عن "الغد" الأردنية