الوصاية الهاشمية في القدس الشريف بين دور السلطة الفلسطينية في الحفاظ على طابعها وبين الحفاظ على ارض القدس وأهلها

بقلم: القاضي المقدسي فواز ابراهيم نزار عطية

قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ES-10/L.22 الذي صدر نتيجة لجلسة طارئة عقدت بطلب من دولة اليمن وجمهورية تركيا، بسبب وضع القدس ووصفها من الادارة الامريكية الحالية عاصمة لإسرائيل "باطل ولاغ" حيث تبنته الجلسة العامة الـ37 للدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء ولاية الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 كانون اول 2017.

هذا المشروع صاغته اليمن وتركيا على الرغم من أن الولايات المتحدة قد اعترضت بشدة على ذلك، فقد اُقر بأغلبية 128 صوتا مقابل تسعة أصوات وغياب 21 عضوا عن التصويت وامتناع 35 عضوا، مع العلم أن اعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة 193 دولة.

وعندما قدمت تركيا واليمن مشروع القرار الذي لم يذكر الولايات المتحدة بالاسم، بل أعرب عن "أسف عميق تجاه قرارات اتخذت مؤخرا بشأن وضع القدس". تجنبا للصدام المباشر مع اقوى دولة في العالم، نص القرار على أن "أي قرارات وإجراءات تهدف إلى تغيير طابع مدينة القدس الشريف أو مركزها أو تركيبتها الديمغرافية ليس لها أي أثر قانوني، وأنها لاغية وباطلة ويجب إلغاؤها امتثالا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة".

وبهذا التصويت للجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار يدعو الولايات المتحدة إلى سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، فقد اعطى زخما للوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، بعد أن قادت المملكة الأردنية حراكا دبلوماسيا أمميا مكثفا وبالتعاون المثمر مع الحركة الدبلوماسية الفلسطينة لمواجهة قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وبعيدا عن تزاحم بعض الاخوة من العرب لكسب نفوذ لهم في القدس انطلاقا من سلطة المال، فقد يكون موقف القيادة الفلسطينية مدروسا عندما ابرم الرئيس ابو مازن "محمود عباس" في عمان بتاريخ 31/3/2013 اتفاقية مع الملك عبد الله الثاني ملك المملكة الاردنية الهاشمية لتثبيت دور المملكة الأردنية في وصايتها وولايتها على المقدسات قانونيا ودينيا من خلال الاتفاقية الموقعة بينهما، لمنع التنافس على الوصاية والولاية الدينية الهاشمية للقدس.

حيث تضمنت الاتفاقية على المبادئ التاريخية المتفق عليها أردنيا وفلسطينيا حول القدس، التي تمكّن الأردن وفلسطين "من بذل جميع الجهود بشكل مشترك لحماية القدس والأماكن المقدّسة من محاولات التهويد الإسرائيلية".

وعندما صدر قرار فك الارتباط القانوني والإداري عن الضفة الغربية عام 1988 أي خلال الانتفاضة الاولى من الملك الراحل حسين بن طلال، بقيت القدس والمقدسات تابعة قانونيا للمملكة، وتمسكت الاردن بموضوع الوصاية والولاية الدينية في القدس بموجب اتفاقية السلام الموقعة بين الاردن وحكومة اسرائيل في المادة التاسعة منها، وكان هذا الاصرار - وفق اعتقادي بتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية- لمنع أي فراغ قانوني للأردن في القدس، ولمنع سيطرة الاحتلال على المقدسات المسيحية والاسلامية، ولمنع أي تغييرفي الوضع القائم خلافا للقانون الدولي.

وبالتالي وبعد أن وضعت منظمة التحرير الفلسطينية موطأ قدم لها بوجود قانوني وفعلي في غزة وأريحا أولا، باتفاق دولي "اتفاقية اوسلو" وما تبعها من اتفاقيات أدت لنشوء السلطة الوطنية الفلسطينة ومنحها الحكم الذاتي في بعض المناطق من الضفة الغربية، وتوالي الاحداث منذ عام 1994 حتى اليوم مابين انتفاضة النفق عام 1998 والتي تم السيطرة عليها، وما بين انتفاضة الاقصى التي استمرت لست سنوات تقريبا وما تلته من احداث بوضع الجدار العنصري، وازدياد نسبة الاستيطان 300% ،وما بين الاعتراف بدولة فلسطين من بعض الدول كدولة تحت الاحتلال، وما بين اعلان ترامب القدس بشقيها الغربي والشرقي عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي والاعتراف الامريكي بضم الجولان السوري المحتل لدولة الاحتلال، وصولا لما اشيع عنه لأشهر من الادارة الأمريكية وعملت بعض الدول العربية وللأسف الترويج له بما يسمى صفقة القرن، حتى تاريخ انعقاد مؤتمر المنامة في البحرين في الشهر المنصرم، بقيت القدس وأهلها ينظرون للأحداث بعين المراقب حادقين انظارهم نحو السماء مرددين على ألسنتهم ماذا بعد؟

ماذا بعد كل هذه الاحداث والصراعات بين الاخوة العرب والتنافس على ولاية ووصاية ساهمت بشكل لافت للحفاظ على ما تبقى من القدس العربية والاسلامية، ماذا بعد والقدس تقسم وتباع أمام أعين اهل القدس سببه المباشر احتلالين: احتلال اسرائيلي يقدم مبالغ خيالية لضعاف النفوس من ابناء القدس في سبيل ترك عقارات تقع في مواقع استراتيجية ومازال مسلسل التسريب قائما، ولا رغبة في تعريب الكنيسة الارذثوذكسية، ماذا بعد والمغريات والترغيب من الجانب المحتل يدفع ببعض اهل القدس للتزاحم على مكاتب وزارة الداخلية للتجنس بالجنسية الاسرائيلية لينال البعض امتيازات تلك الجنسية، ماذا بعد والحركة الاقتصادية في القدس بطيئة والنمو الاقتصادي في تراجع مستمر، ماذا بعد واهل القدس في ازدياد من الناحية النمو السكاني "الديموغرافي" بصورة سريعة ورقعة الارض محددة للمقدسيين، ماذا بعد ومشاريع الاسكان الخاصة المؤلفة من شقق في حدها الادنى ثمانية شقق وقيمة كل شقة لا تتجاوز 100متر مربع تفوق 500000دولار أمريكي، ولمن لا يطيق يدفع بدل قيم الايجارة لكل وحدة سكنية 4200شيقل شهريا ناهيك على ضريبة الارنونا وغلاء المعيشة في القدس بوجود أجر متدني بحد أدنى 4800شيقل شهريا، ماذا بعد والمؤسسات الصحية كمشفى القاصد والمطلع تعاني من ازمات مالية حادة ومن الانتهاكات والعبث والتخريب عندما يتم مطاردة المطلوبين الذين يتلقون العلاج ولا يتم مراعاة الاتفاقيات الدولية حول حرمة المشافي من جانب المحتل، ماذا بعد والبطالة تتفشى بين عناصر الشابات والشباب المتعلم، ماذا بعد وادوات الصمود شبه مفقودة، ماذا بعد والعقارات في القدس مازالت تباع للجانب الاستيطاني دون تحقيق نتائج عملية، ماذا بعد ولم يتم رصد ميزانيات لرد العقارات وشرائها ممن ضاق بهم العيش في الظروف الحالية وتحويلها لأوقاف خيرية ، ماذا بعد وهناك مئات العقارات مجهولة الاصحاب مسجلة في سجلات المحكمة الشرعية لأشخاص قدموا للقدس منذ مئات السنين وأوقفوا تلك العقارات وقفا ذريا أو خيريا بالذات في القدس القديمة، ولا يملك من يشغلها حاليا وثيقة تثبت صلته بها، ومن هنا تكمن الخطورة فتسجل باسم دولة اسرائيل عند الشروع باعمال التسوية والاعلان عنها، ماذا بعد ننتظر ودور السلطة الفلسطينية لا يقل اهمية من الوصاية الهاشمية، بل دورها اكبر واعظم من الناحيتين الفعلية والقانونية، لأن ابناء القدس وبموجب بروتوكول الانتخابات الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة اسرائيل صنفوا بأنهم من الفلسطينين، وما يزيد من عبء تحمل السلطة الفلسطينة لمشروع تعزيز صمود اهل القدس بما لا يقل اهمية عن مراعاة اهل الشهداء وذوي الاسرى، لأنه لا دولة فلسطينة دون القدس، ولا يمكن أن تكون القدس إلا بأهلها دون الحصول على الجنسية الاسرائيلية، ولابد من تحفيز الشباب بعدم طلب التجنس لأن في ذلك نقصان من اركان الدولة التي تتألف من سيادة وشعب واقليم، ماذا بعد واين الخطط التنموية واين الدراسات المعلن عنها وغير المعلن عنها وماذا نُفذ منها، ماذا بعد والقدس واهلها الخط الاول والاخير للمواجهة وعنوان الصمود، إذ شُرفوا بالوجود في هذه البقعة المقدسة والوقوف على ثغورها في الوقت الذي حث رسولنا الكريم على دعم القدس واهلها منذ اربعة عشر قرنا، وترك اهل القدس دون تطبيق سليم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق ما رواه الصحابي الجليل : زياد بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أنها قالت:
يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" ائتوه فصلوا فيه- وكانت البلاد إذ ذاك حرباً-، فإن لم تأتوه وتصلوا
فيه؛ فابعثوا بزيت يُسرج في قناديله "