مآسي السياسة الخارجية الأمريكية

بقلم: الدكتور البدر الشاطري

يصب الكثير من المراقبين جام غضبهم على ترامب وسياسته الخارجية رغم أن مآسي السياسة الخارجية الأمريكية سبقت ترامب بعصور. ويرى أستاذ العلاقات الدولية المميز ستيفن والت في كتابه الأخير عن نخبة السياسة الخارجية الأمريكية أن الاستراتيجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية هي المسؤولة الأولى والأخيرة على مأساة السياسة الخارجية الأمريكية. وتتمثل هذه الاستراتيجية بما يعرف بالليبرالية الدولية وهي «السعي إلى توسيع وتعميق النظام الليبرالي العالمي تحت القيادة الخيرة للولايات المتحدة»

وترى هذه الاستراتيجية تعزيز القيم الديمقراطية على المستوى المحلي كحقوق الإنسان والمساواة وقيم الحرية والعدالة، ودولياً تسعى الاستراتيجية لفرض هذه القيم بشكل أوسع مثل الانفتاح الاقتصادي وحرية التجارة وعلاقات تسودها القانون والأعراف الدولية.

ويقول والت إن هذه المبادئ بلا شك نبيلة ولكنها ليست واقعية. ويعود السبب إلى تبسيط مسائل في غاية التعقيد إضافة إلى سذاجة فرضياتها وتهافت أطروحاتها. ولا تستطيع الولايات المتحدة رغم إمكانياتها الهائلة من تحويل العالم إلى نسخة عن الولايات المتحدة رغم قيمها وتاريخها. كما أن الاعتقاد بأن هذه المجتمعات تواقة إلى هذا التغيير هو اعتقاد به خطل، إن لم نقل خبل. وقد تكلفت الولايات المتحدة كثيراً من الكلفة لتحقيق الهيمنة الأمريكية على العالم والتي أتت على حساب الرخاء والاستثمار في البلاد.

ولهذا السبب بدت شعارات ترامب جاذبة للناخب والذي سئم من تدخلات واشنطن في الشأن الخارجي وعمليات بناء الدول الأخرى على حساب الاستثمار الداخلي وبناء البنية التحتية المهترئة. ويرى الكاتب أن أطروحات ترامب قد تكون صحيحة ولكن تنفيذ هذه الأفكار علاوة على تصرف الرئيس الشخصي يدين كل أعماله وسياساته.

ويرى وزير خارجية الولايات المتحدة السابق، جون كيري، والذي خدم كعضو ورئيس للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي أن اضمحلال المؤسسات السياسية الأمريكية أدى إلى كثير من المتاعب الخارجية للولايات المتحدة. كان في الماضي يسود مقولة أن الخلافات السياسية تقف عند شواطئ البلاد. بمعنى آخر، أن الخلافات السياسية لا تؤثر على علاقات واشنطن بالعالم الخارجي. ولكن الواقع أن مجلس الشيوخ بات يعكس الاستقطاب الحاد في المجتمع السياسي الأمريكي ولا يعكس المصالح القومية للوطن. ويضيف كيري أن مجلس الشيوخ معطل بسبب الحزبية المفرطة وأن صعود تيار حزب الشاي بين الجمهوريين عمق من حدة الجفاء بين الفرقاء السياسيين.

وفي حديث عن انحدار الولايات المتحدة كتب فريد زكريا الإعلامي الشهير في مجلة الشؤون الخارجية الواسعة الانتشار مقالة بعنوان «التحطيم الذاتي للقوة الأمريكية». ويرى أن تمدد الولايات المتحدة غير المنضبط أدى إلى تبديد قوتها. ورغم قوته الاستثنائية لم تستطع إدارة هيمنتها على العالم بشكل حصيف، بل وأساءت استخدام قوتها. وبهذا «فقدت حلفاءها وجرأت أعداءها. والآن، وتحت إدارة ترامب، يبدو أن الولايات المتحدة فقدت الاهتمام، وحتى الإيمان، بالأفكار والأهداف والتي أحيت حضورها الدولي لثلاثة أرباع قرن».

والآن تواجه الولايات المتحدة عدة استحقاقات على الصعيد الدولي. وهناك مسألتان ستفرضان نفسيهما على السياسة الخارجية الأمريكية قريباً. الأولى تتعلق بالمفاوضات مع كوريا الشمالية، حيث التقى الرئيسان الأمريكي والكوري في المنطقة منزوعة السلاح. وحسب ما ورد في صحيفة النيويورك تايمز أن أكثر ما يمكن أن تطمح به واشنطن هو أن تجمد بيونغيانغ أسلحتها النووية بدلاً من نزعها.

والثاني صفقة القرن والتي سيعلن عنها قريباً وسنرى عما قريب ما ستتمخض عنه هذه المبادرة. فعلى ما يبدو أن هناك عدة أطراف عربية لها تحفظات كبيرة. ويرى الفلسطينيون أنها محاولة لتمييع قضيتهم الوطنية وطمس حقوقهم السياسية.

سنرى ما ستبديه الأيام، كما قال الشاعر: والليالي من الزمان حبالى صامتات يلدن كل عجيب.