ما المطلوب لاستعادة الدور الأمريكي بالمنطقة

الأحد...وكل يوم أحد

بين صناعة الوهم والهوس التلمودي وتصدير الخوف

ما المطلوب لاستعادة الدورالأمريكي بالمنطقة

بقلم: المحامي زياد أبو زياد

في حديث مع أحد الأخوة الذين رافقوا الرئيس عباس في جميع لقاءاته مع الرئيس ترمب وصف لي الحميمية التي سادت كل اللقاءات والاجواء الودية التي خيمت عليها وكيف أن القيادة الفلسطينية فوجئت بالتغيير المفاجيء الذي حدث في تلك العلاقة والذي لم يجد العقل الفلسطيني تفسيرا فوريا له وأدى الى ردة فعل فلسطينية عبرت عن خيبة الأمل من إدارة ترمب وصلت الى حد استخدام بعد التعابير الدارجة في العامية الفلسطينية والتي أستغلتها إسرائيل للتحريض السافر ضد الرئيس عباس وقيادته مثل قوله " يخرب بيتك "!

ومع حملة التحريض الإسرائيلية المبرمجة ضد الرئيس عباس ، بدأت تتسع الشقة وتتحول الى مبارزات كلامية ومهاترات بين أعضاء الفريق الأمريكي للمنطقة وعدد من القادة الفلسطينيين عبر تويتر ووسائل التواصل والإتصال الأخرى باعدت بين المواقف وأعاقت وسائل الاتصال العلنية بين الجانبين ، وأقول العلنية لأنني لا أستطيع الجزم بأنه لم تكن هناك وسائل وقنوات اتصال غير معلنة بين الطرفين سواء كانت مباشرة أو من خلال طرف ثالث.

العناصر الأربعة المعيقة لتحقيق السلام

وفي جميع الأحوال فإن المراقب يستطيع تلخيص ما كان يجري بأربعة عناصر:

- الوفاء بالوعود الانتخابية التي قدمها الرئيس ترمب خلال حملته الانتخابية والتمهيد للانتخابات الرئاسية القادمة من حيث ضمان استمرار وسائل الدعم المالي لحملته من قبل نفس الجهات التي وعدها والتي يرغب في استمرار دعمها له وفي مقدمتها الملياردير اليميني اليهودي شيلدون أديلسون واللوبي اليهودي اليميني والمسيحي الإيفانجيليستي.

- والعنصر الثاني هو صناعة الوهم التي مارسها ويمارسها صهره جيرد كوشنر الذي أتقن صناعة القصور في الهواء وتصديق الوهم الذي زرعه فيه صهره ترمب بأنه هو وحده القادر على صنع المعجزة وحل الصراع محققا ً ما عجز عن تحقيقه كل من سبقوه.

- والعنصر الثالث هو ممارسة الهوس الديني والحقد المتطرف ضد الفلسطينيين والمسلمين ونفي شرعية معتقداتهم ومطالهم السياسية وتكريس العمل من أجل تحقيق المعتقدات التلمودية بتجسيد تهويد القدس وتحقيق العودة اليهودية ل "أرض إسرائيل" من خلال دعم وتكريس الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية " يهوده والسامرة " . وهذا ما تخصص وأبدع به السفير الأمريكي لإسرائيل دافيد فريدمان الذي يميل المراقبون الى تسميته سفيرا للمستوطنين لدى اسرائيل وليس سفيرا لأمريكا.

- والعنصر الرابع هو صناعة تصدير الخوف التي هي من أبرز ما أبدع نتنياهو في صنعه والذي يُشكل جوهر السياسة الدعائية الغوغائية التي ينتهجها سواء في سياسته الداخلية بتخويف اليهود من العرب كما فعل عشية انتخابات الكنيست عام 2015 حين حرض ضد العرب وحذر من أن العرب يتدفقون كالنهر الى صناديق الاقتراع وأدى الى تدفق اليمين اليهودي الى صناديق الاقتراع ، وما زال ينتهج هذه السياسة في التخويف من العرب ومن اليسار لدرجة أنه لم يتورع عن وصف صديقه ورفيق دربه أفيجدور ليبرمان باليسار لمجرد أن اختلف معه. ولقد نجح نتنياهو في جعل تهمة " اليسار " ضوءا ً أحمر يحذر الإسرائيليين منه ويخيفهم . وأما في سياسته الخارجية فهو يتنبنى أيضا ً سياسة التخويف متنقلا ً بين التخويف من الإرهاب ومن السلاح النووي الإيراني لدرجة أن هناك جهات عالمية باتت تُصدق روايته وتنحاز لها.

هذه العناصر الأربعة تُشكل أهم المعوقات التي تمنع وتحول دون تحقيق أي انفراج في الوضع السياسي.

ماذا فعلت هذه العناصر وآثارها السلبية

فتحقيق الوعود الانتخابية أدى الى نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل وإغلاق القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية وهذه الخطوات مجتمعة مع خطوات أخرى كقطع المساعدات عن السلطة ووقف مشاريع USAIDوإغلاق مكتب المنظمة بواشنطن وقطع المساعدات عن وكالة الغوث أدى الى الغاء دور الولايات المتحدة كوسيط محايد في تحقيق تسوية سياسية للصراع.

وأما صناعة الوهم فقد كان أبرزها ورشة المنامة التي تحدثت عن السلام والازدهار للفلسطينيين وتحدثت عن خمسين مليار دولار لا وجود لها إلا في مخيلة جيرد كوشنر وأثبتت أن الورشة لم تحقق أي شيء ايجابي للشعب الفلسطيني ، وأن الجانب الاسرائيلي استغلها للدعاية المضادة للسلام بحيث ادعى نتنياهو بأن الورشة حققت مزيدا من التقارب بين إسرائيل والدول العربية ومزيدا من التطبيع. بالرغم من أنه حتى وزير خارجية البحرين الذي أثار عاصفة من الانتقادات ضده بسبب اندفاعه نحو إسرائيل لم يتردد في القول أمام المؤتمر بأنه معني بمبادرة السلام العربية التي تدعو الى حل الدولتين وأنه لم يسمع ولو تلميح ايجابي من قبل حكومة اسرائيل بشأن هذه المبادرة. واعتبرت تصريحاته هذه ردا ً على قول جيرد كوشنر قبيل المؤتمر بأن مبادرة السلام العربية لم تعد تصلح أساسا ً لحل الصراع ، وتزامنت تصريحاته مع أقوال فريدمان وجرينبلاط بأن من حق إسرائيل ضم أجزاء من الأراضي في "يهوده والسامرة " وإصراهم على نفي صفة " المحتلة " عن هذه الأراضي واعتبارها أراض متنازع عليها !

وهذا يلتقي مع الهوس الديني التلمودي للسفير فريدمان الذي لا يفتأ يتغزل بالمستوطنات والأنشطة الاستيطانية والدولة اليهودية وممارسة الطقوس التلمودية وآخرها قيامه بافتتاح النفق الذي يصل بين عين سلوان في بلدة سلوان المحتلة الى حائط البراق الأمر الذي يتنافى مع أبسط مباديء القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن بشأن القدس المحتلة ، وقوله في مناسبة أخرى أن أكبر ضمانة لأمن إسرائيل هي أن الله يقف الى جانبها !!

الخلل الكبير في السياسة الأمريكية وإصلاحه

هناك خلل كبير في أساس المنهج الأمريكي والطريقة التي يتعامل بها مع الشعب الفلسطيني وقيادته. فنحن لا نكن عداء ضد الشعب الأمريكي وندرك تماما بأنه لا توجد دولة في العالم تستطيع التأثير على سياسة إسرائيل سوى الولايات المتحدة ونريد من أمريكا أن تعود الى هويتها الداعمة للسلام والرافضة للإحتلال كما كانت أيام الرئيس دوايت أيزنهاور الذي رفض الاحتلال عام 1956 وأمر إسرائيل بالنسحاب من سيناء وقطاع غزة وانصاعت لأوامره دون جدل . ولكن طالما ظلت الولايات المتحدة منحازة بهذا الشكل الى جانب إسرائيل فإنه لن يكون هناك أي مجال الى دور أمريكي في حل الصراع بالطرق السلمية بإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل، لأن السياسة الأمريكية التي يجسدها كوشنر وجرينبلاط وفريدمان لن تؤدي إلا الى تشجيع الغطرسة الإسرائيلية وتكريس الاحتلال والضم والى مزيد من الهوة بين الطرفين الأمريكي والفلسطيني.

لقد اتسم سلوك الثالوث كوشنر – جرينبلاط - فريدمان المكلف بملف حل الصراع ، بالجهل والانحياز وعدم القدرة على فهم حقيقة الصراع وتبني السياسة الاسرائيلية المتغطرسة الساعية الى تكريس الضم والاحتلال. ولقد أثبتت التطورات الأخيرة خطأ هذا التبني وفشله في تحقيق أي انفراج سياسي في المنطقة ، وإذا ما أراد الرئيس ترمب أن يحتفظ لبلاده بدور في هذه المنطقة من العالم فإن عليه مراجعة كل الخطوات التي قامت بها إدارته واتخاذ ما يلزم من قرارات لتصويب الأخطاء التي وقعت فيها.

وفي هذا السياق فإنه لن تكون هناك أية فرصة لتحقيق الحل السياسي طالما ظل المستوطن المتغطرس دافيد فريدمان يجلس في مبنى السفارة الأمريكية. وإذا ما أرادت واشنطن أن تستعيد دورها في المنطقة فإن عليها أن تختار سفيرا ً يمثل الشعب الأمريكي لا المستوطنين اليهود المتطرفين ، فليعد فريدمان الى واشنطن أو فليخلع عن وجهه القناع ويتنازل عن جنسيته الأمريكية ويأخذ مكانه بين المستوطنين المتطرفين لنعرف كيف نتعامل معه.

وعلى أمريكا أيضا أن تعلن بأن اعترافها بالقدس عاصمة لاسرائيل يقتصر على القدس الغربية وأنه مقرون بالإعتراف بالقدس الشرقية المحتلة عام 1967 عاصمة للدولة الفلسطينية وأنها تتبنى مبدأ حل الدولتين وتعتبره أساسا ً لحل الصراع وفقا ً لمبادرة السلام العربية.

هذا هو أبسط ما يمكن أن تفعله واشنطن لاستعادة دورها في المنطقة ، وإذا لم تقم باتخاذ هذه الخطوات لتعديل وتصحيح مسار سياستها في المنطقة وظلت تراوح في ساحة الوهم التي صنعها كوشنر وجرينبلاط والأحلام التلمودية لفريدمان وتصدير الخوف التي يجيدها نتنياهو فإن المنطقة لن تشهد سوى المزيد من الإبتعاد عن السلام والازدهار والاندفاع نحو الطريق المؤدي الى اندلاع العنف الدموي الذي سيكون بمثابة كارثة على الجميع والذي لن يستطيع أحد أن يتنبأ بنتائجه.

abuzayyadz@gmail.com