كلداني في الثورة

بقلم: الدكتور أحمد جميل عزم*

اتصل بي صديق، مناضلٌ وفدائي قديم، تحدث بغضب، عن الذين يشككون بعروبة وإنسانية القضية الفلسطينية.

لم يكن غاضباً من تصريحات بعض المسؤولين ومن يسمون أنفسهم إعلاميين عربا؛ تصريحات انطلقت مؤخرا، تتراجع عن عروبة وعمومية القضية الفلسطينية، وتسوّغ قبول الاحتلال، بقدر ما هو غاضب من أنّ هذه التصريحات جعلت البعض يقول إن العرب تخلوا عن القضية الفلسطينية.

وقال إن العرب وغير العرب شركاء بالنضال والمقاومة والروح. ثم عرض علي لقاء صديقه “العراقي المسيحي الآثوري”. قال هي قصة قديمة، ولكن تجديد الوجه الإنساني للقضية ممكن.


في مطعم شعبي، للإفطار على ناصية شارع في عمّان، تحدثنا. 
صديقي المناضل الفلسطيني المقيم في فلسطين طلب من ابنه الذي ذهب للعمل في العراق مؤخراً، البحث عن صديقه القديم الذي انقطعت أخباره منذ ثلاثين عاماً، وفعلاً وصل إليه، فدعاه للقاء ولتجديد الصداقة فالتقيا في عمّان.


في مجتمع المواطنة، أي في الدولة الحديثة، لا شيء حقا اسمه أقليّات دينية، أو عرقية، أو إثنية. هذه هي النظرية، وربما هذا هو الهدف والفكرة من بناء الدولة، كما ظهرت منذ القرن السابع عشر، والأصل أنّ هذه الفكرة تمتد إلى الدول العربية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، وبقدر ما يرى البعض هذه الدول العربية نوعا من التجزئة للأمة، بقدر ما هي أداة توحيد “للمنابت والأصول”، رغم هذا بقيت “الهويات الفرعية” موجودة، لذلك كان افتخار الصديق الفلسطيني أن صديقه المناضل العراقي “آثوري”، وأنه برأيه، لا ينطلق من القومية العربية أو الإسلام.


يروي الصديق الفلسطيني: كنتُ أفاجأ لدى دخولي قاعة المحاضرات في الجامعة في بغداد، صباحاً، أنّ أخبار الثورة الفلسطينية مكتوبة على اللوح. ويقول لم يكن معي طلبة فلسطينيون سوى واحد بعيد عن السياسة. 
قال إنّ شخصاً عراقياً تقرب منه وأصبح صديقه، كشف أنّه من يفعل هذا. ثم أصبح هذا الشخص عضواً في تنظيم فلسطيني.

سألت صديقنا القادم من العراق، عن القصة، قال يمكنك القول أني كلداني. ما زلت أذكر لحظة هزيمة 1967، وكان أخي في السنة النهائية في المدرسة، مزّق والطلاب أوراق امتحان الفيزياء وخرجوا يتظاهرون. قال، كنتُ ما زلت في المدرسة، ولكن الشعور بالغضب والإهانة كبيران.

عندما ظهر العمل الفدائي بدا أنّ “هناك متنفسا للكرامة”، واظبتُ على الاستماع لإذاعة الثورة، “صوت العاصفة” من القاهرة، صرت أسجل أخبار العملّيات. 
لدى صديقنا العراقي ذاكرة تفصيلية حتى اليوم بمعلومات العمليات الفدائية في مدن ومناطق فلسطين؛ البحر الميت، الحمّة، طبريا، الجولان..إلخ. 
عاد صديقه لفلسطين ثم عاد للعراق في زيارة لها بعد سياسي، كان هو قد تخرّج وعمل، فعرض عليه إرسال راتبه له، ليعمل هو في الداخل فدائياً، وهو يموله.

رفض صديقه العرض وطلب منه أن لا يقلق بالتمويل. ظل الصديق العراقي متصلا مع الطلاب الفلسطينيين الجدد، الذين أصبحوا قناته مع الطلاب القدامي. وعندما اعتقل صديقنا المشترك، أرسل له مساعدة مالية عبر الطلبة الجدد، أعادها الصديق في المعتقل شاكراً. أخبرني الصديق العراقي اشتراكه في نشاطات طلابية وشعبية وتعبوية في لبنان حيث زار قواعد الثورة، وشارك في مؤتمرات طلابية وشعبية.

حدثني عن كلمات من الإرث اليوناني، قال مثلا هناك تعبير هو “الشعب ما زال حياً”، وأنّ الإنسانية والكرامة، هي أساس الارتباط بفلسطين وقضيتها من جهته، وأنّ هذا كان محرّكه الدائم. وأضاف من الجهة الأخرى، يعتقد إسرائيليون أنّ هناك ثأرا تاريخيا مع الكلدانيين منذ نحو القرن السادس قبل الميلاد. 
تحدث بحميمية عن لقاءات الثوّار والعمل النضالي، وعندما ذكر تجنيده ودوره في الحرب العراقية الإيرانية شعرت أنه ذكرها بحيادية تقريباً، سوى الارتباط بين علم الرياضيات والمدفعية.


رغم أن ما حدث هو من الماضي، وأنّ آخر ذكرياته في العمل النضالي، التضامني الشعبي، تعود لنهاية السبعينيات، لكن الأمر بدا له جزءا من هويته. 
ربما هي قصص صغيرة، ولكنها تحتاج وتستحق التوثيق، لها طعم ووجه ينافس “القصص الكبيرة”، لأنّها تصنع الوجه الإنساني لفلسطين وقضيتها، وتصنع ما يمكن تسميته “زمنا جميلا” على ما فيه من ألم، فيه انتصار الروح بقدر ما فيه من هزيمة مادية. 


هذا الوجه الإنساني يمكن أن يعود.

*جامعة بير زيت - عن "الغد" الأردنية