خسارة “دبلوماسية الشركات” في ورشة “الازدهار والسلام”

بقلم: الدكتور أحمد جميل عزم*

يتصل شخص يشغل منصب “باحث” أو “كاتب” في مركز أبحاث، مع دبلوماسي عربي، ويسأله لماذا تسمحون لهذا النشاط أو ذاك (المناصر للفلسطينيين) وهنا يَستخدِم لفظ (الإرهاب) أن يُعقد في فندق تمتلكون أسهما فيه، في هذه العاصمة أو تلك. قبل هذا الهاتف، تكون قد جرت لقاءات تعارف، وحديث عن القدرة (من قبل هذا “الباحث”، أو رجل “العلاقات العامة”)، على التأثير في القرار الأميركي بشأن الشرق الأوسط، مثل فتح أبواب البيت الأبيض، أمام دبلوماسيين وسياسيين شبان عرب طامحين، والقدرة على التأثير في القرار الأميركي بشأن إيران، أو صفقات سلاح وصفقات تجارية، أو التأثير بالقرار الأميركي في هذه القضية العربية أو تلك (خصوصاً قضايا الربيع العربي).


هذا المشهد “شبه الحقيقي”، يعكس مثلثا مؤثرا في “العلاقات” العربية الإسرائيلية، في السنوات الأخيرة، حتى قبل مجيء إدارة الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب. حيث يوجد صهاينة يستعينون بأشخاص من شركات علاقات عامة وأبحاث وأعضاء “كونغرس” أميركيين، يتصلون بدبلوماسيين عرب، وأحياناً بإعلاميين وباحثين وأكاديميين عرب “مغمورين”، للحديث أن هناك أولويات أخرى يجدر الانتباه لها سوى موضوع السياسات الإسرائيلية.
يمكن رؤية هذا المشهد في ورشة “السلام نحو الازدهار” التي جرت في العاصمة البحرينية، المنامة، يومي 25 و 26 حزيران 2019.

فمثلا كتب الصحفي جاك مور، باعتباره “أحد الصحفيين القلائل” الذين حضروا الورشة التي عقدت في فندق فورسيزونز، في المنامة، تغريدات على “تويتر”، يصف المشهد بأنّه “دوفَسة” في إشارة إلى منتدى دافوس الاقتصادي السنوي لرجال الأعمال والاقتصاديين، ووصف المنظمين بأنهم “(شركة) كوشنير وشركاؤه”، أما الحضور فمنهم رجل علاقات عامة، مهمته “جمع الأثرياء والأقوياء” مع بعضهم، وشباب لديهم ملايين المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي. والواقع أنّ صور الورشة، تكشف حضور “سماسرة” السياسة هؤلاء، الذين لا يتسع هذا المقال للحديث عنهم. والواقع أنّ أهم نتيجة، ربما، لهذه الورشة، أنّها ضربة لأحد مظاهر السياسة العالمية والشرق أوسطية في السنوات الأخيرة، ما يمكن تسميته “دوفسة” السياسة.


حقق الفلسطينيون، تقدماً بالنقاط في المباراة مع “فريق الهواة” الصهيوني الذي يتولى إدارة ملفات الشرق الأوسط، في الإدارة الأميركية. وأهم النقاط التي كسبوها، تحولهم من الدفاع للهجوم، وإسقاط فكرة ارتهانهم للاقتصاد على حساب الوطن، التي آمن بها وروجها “موظفو” ترامب.


خير تصريح يمثل الموقف العربي، ما قاله وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، في مقابلة مع قناة “فرانس 24″، أن الفلسطينيين “هم أصحاب القرار الأخير، لأنها قضيتهم، وما يقبلونه يقبله الجميع”. واعتبر الجبير المشاركة السعودية، لأنّ " كل ما يحسن ظروف معيشة الفلسطينيين ينبغي الترحيب به "، ولكن أضاف أنّ " العملية السياسية بالغة الأهمية ". وشددت كل الدول العربية تقريباً، على حل الدولتين، وأن الفلسطينيين هم أصحاب القرار السياسي، وبهذا تحولت الورشة لطمأنة سياسية للفلسطينيين.


إذا كان انعقاد الورشة بحد ذاتها، والمشاركة العربية الإسرائيلية فيها، مشكلة وهدفا لذاته، فإنّه يجدر تأمل كلمات جاك مور، في صحيفة “ذا ناشينوال” الإماراتية، قبل يوم من الورشة: “ترسل القاهرة وعمّان مسؤولين رفيعين في وزارات المالية بدلا من الوزراء. وكلاهما بقي صامتاً لأسابيع، ما سبب خوفاً في واشنطن. فالدولتان هما الوحيدتان اللتان لديهما اتفاقيات سلام مع إسرائيل، وغيابهما قد يؤدي لانهيار الورشة”. إذاً الدولة العظمى وقفت موقف المترقب الخائف وكشفت ضعفها. 


تكفي مطالعة لقاءات المسؤولين الفلسطينيين مع الإعلام الدولي، ليتضح أنّهم لا يتحدثون بنبرة ضعف؛ فعلى وقع أشهر من دفع “نصف الراتب” بسبب الأزمة المالية الناتجة عن “المقاومة السلبية” التي قررها الفلسطينيون، بالامتناع عن استلام أموال الضرائب من الإسرائيليين، احتجاجا على التحكم الإسرائيلي بسبل صرفها، واقتطاع مبالغ تدفع لأسر الأسرى والشهداء، ومحاولة اقتطاع رواتب للجواسيس والعملاء، يقولون للعالم، " المال ليس قضيتنا "، هذه " أعراض جانبية " للأزمة السياسية.

سمع العالم على هامش الورشة هذه الرسالة بوضوح من الفلسطينيين، وحتى من المستوى العربي الرسمي أيضاً.
 أسوأ ما في “الورشة” أنها ليست المباراة التي يحتاجها الفلسطينيون، فهم بحاجة لمواجهة السياسات الإسرائيلية على الأرض، والحصول على دعم دولي لإنهاء الاحتلال، ولكنهم على الأقل حولوا الأمر إلى “هجمة” مرتدة.

*جامعة بير زيت - عن "الغد" الأردنية