الإرهاب و"الإسلاموفوبيا"... ذرائع وادِّعاءات للحرب على الإسلام

بقلم: الدكتور أحمد يوسف

ظهر مصطلح "الإرهاب الإسلامي" وتوسع استخدامه في السياسة الخارجية للدول الغربية وضمن استراتيجياتها العسكرية خلال العقدين الماضيين، وشاهدنا تداعيات هذا التوظيف التآمري لتدمير عالمنا العربي والإسلامي بافتعال أحداث ذات طبيعة دينية وطائفية يسهل معها اتخاذها كذرائع لتبرير أعمال عسكرية عدوانية لإجهاض قدرات الأمة الإسلامية وتبديد ثرواتها. أما "الإسلاموفوبيا"، فقد جاءت لإبقاء جذوة التحريض في العالم الغربي على الإسلام والمسلمين مشتعلة، وحتى لا يتمكن مسلمو الغرب من أخذ مكانهم تحت شمس حواضر بلدانهم في أوروبا وأمريكا.

في البداية، علينا أن نُقر ونعترف بأننا نحن المسلمين وعلى مدار عقدين من الزمن كنا ضحايا لهذه السياسات الغربية، حيث تمَّ استدراج كوادر وتيارات محسوبة على العالمين العربي والإسلامي وتوريطها في أعمال إرهابية، لتقع ملاحم دامية لم نكسب من ورائها ناقة ولا جمل، بل كانت كوارث ونكبات على شعوب أمتنا!! فما الذي جنيناه من وراء هذه العمليات الإرهابية غير الخراب والدم واستباحة بلاد المسلمين، فهل انكسرت هيبة الغرب وتراجعت سياساته تجاه أمتنا الإسلامية؟ أم هل توقفت ممارساته العدوانية واستهدافه لشعوب أمتنا؟ هل تغيرت سياسة أمريكا - مثلاً - عن تقديم الدعم العسكري لإسرائيل أو الدفاع عنها دبلوماسياً في المحافل الدولية؟ هل أعادت لنا هذه العمليات الإرهابية شبراً من الأرض السليبة أم ألَّبت الشعوب الأخرى ضد المسلمين حول العالم؟ وهل عززت هذه العمليات الإرهابية خطاب المظلومية الذي ترفعه الحركات الإسلامية والمضطهدون من شعوب أمتنا، وهل يا ترى جلبت لنا النُصرة والتعاطف والاستقرار؟!

أسئلة كثيرة كانت وما تزال تطرحها هذه الأعمال الإرهابية باسم الإسلام، والتي تطيش العقول في فهم منطقها والحكمة من ورائها، فهذا الإرهاب الذي يتهدد حياتنا كبشر غدا بمثابة الشيطان الرجيم، الذي تلاحقنا وساوسه في كل مكان وزمان. للأسف؛ لا شيء يمكن أن يأتي به هذا الإرهاب غير الوهم وحصاد الهشيم!!

اليوم، الإرهاب والإسلاموفوبيا هما ظاهرتان متلازمتان لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وتسويقهما – للأسف - كحالة عداء تستهدف الغرب والحضارة الغربية، والرابح من وراء هذه الحملات المغرضة هي إسرائيل بالدرجة الأولى.. وهذه مسألة تحتاج إلى عرض وتوضيح لا بدَّ منه، ويمكن تلخيصه في السياق التالي:

أولاً؛ خلال فترة الحرب الباردة التي استمرت لأكثر من أربعة عقود، بدأت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى هزيمة السوفييت في أفغانستان نهاية الثمانينيات، لم يكن الإسلام في دائرة الخصومة والتحدي المباشر للغرب، بل كان الخطر الشيوعي كأيدولوجيا وقوة عسكرية هو العدو المستهدف والمطلوب احتوائه والقضاء عليه.

ولذلك، كانت الهزيمة للسوفييت في أفغانستان بمثابة الانتصار أو ما أطلق عليه فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهايةُ التّارِيخ والإِنسانُ الأخير" بأن الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها عن الحرية، الفردية، المساواة، السيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، تُشَكِّلُ مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية.

وبِغَضِّ النَّظر عن كيفية تجلي هذه المبادئ في مجتمعاتٍ مختلفة، فإن نهاية التاريخ لا تعني توقف الأحداث أو العَالَم عن الوجود، ولا تقترح تلقائية تَبني كافة مجتمعات العالم للديمقراطية، ولكنَّ المقصود هو وجود إجماع عند معظم الناس بصلاحية وشرعية الديمقراطية الليبرالية؛ أي انتصارها على صعيد الأفكار والمبادئ، لعدم وجود بديل يستطيع تحقيق نتائج أفضل. وعلى المدى البعيد، سوف تغلب هذه المبادئ، وهناك أسبابٌ للإيمان بذلك.

باختصار: إن هذا معناه بالنسبة للغرب هو تدشين مرحلة التمكين للقيم الغربية وسيادة منظومة الفكر الديمقراطي وهيمنتها على العالم بما في ذلك عالمنا العربي والإسلامي.

ثانياً؛ كانت إسرائيل في مرحلة الحرب الباردة حليفاً لأمريكا، وتلعب دوراً وظيفياً مهماً في إضعاف حلفاء السوفييت في المنطقة، ولذلك كان التمويل الأمريكي كبيراً لإسرائيل، وكان يمنحها كل متطلبات القوة والتمكين، من حيث الدعم العسكري والدبلوماسي والمالي، لتبقى صدارتها لمشهد الهيبة والاقتدار ضمن الحسابات الغربية.

ولكن مع تفكك الاتحاد السوفيتي، وتراجع حضوره على مستوى المنطقة والعالم، تفرَّد الغرب بالهيمنة في رسم ملامح الخريطة الدولية، وتحديد أشكال العداوة القادمة لوضع استراتيجيات المواجهة معها.

كان الخطر الأصفر الذي تمثله الصين – آنذاك - مطروحاً كعدو، وكان هذا يعني في حال تبنيه انتهاء الدور الوظيفي لإسرائيل في المنطقة، والتي كانت لديها مخاوف من تنامي النفوذ الإسلامي والحركة الإسلامية، والتي كانت تشكل تهديداً وجودياً لها إذا ما انتهت مكانتها الوظيفية في الاستراتيجية الغربية. من هنا، بدأ دهاقنة الصهاينة في إسرائيل والغرب بالعمل على تقديم "الأصولية الإسلامية" كخطر قادم يهدد المصالح الغربية في المنطقية.

ولكي تنجح إسرائيل في مهمتها، عملت على تجييش كل قواها وأدوات التأثير الموالية لها في الغرب بالدفع إعلامياً على تسويق مقولة "الأصولية الإسلامية هي العدو"، واتخذت - في البداية - من خطاب قادة الثورة الإسلامية في إيران المعادي لأمريكا وسياساتها في المنطقة مدخلاً لذلك.

كانت الصحوة الإسلامية في الشرق وخاصة في البلدان العربية تتعاظم وتدخل على خط الحكم والسياسة، وأصبح لها حضور بعد الإنجاز الكبير الذي تحقق في أفغانستان، حيث كان لمشاركة "الأفغان العرب" دوٌر بارزٌ أدركت إسرائيل مغزاه ومخاطرة على وجودها المستقبلي، من حيث الأمن والاستقرار؛ لأن التيارات الإسلامية كانت تضع فلسطين في مكان الصدارة كأمانة ومسئولية أممية على عاتقها؛ باعتبارها القضية المركزية للأمة الإسلامية، وهذا معناه أن إسرائيل عليها مواجهة دول وشعوب المنطقة وحدها، إذا ما فقدت دورها الوظيفي في الاستراتيجية الغربية.

شرعت إسرائيل في اللعب على وتر الأصولية والتحريض على الإسلام وتشويه صورة المسلمين، ومحاولة إلباسهم ثوب الشيطان المعادي دينياً وحضارياً للغرب.

ثالثاً؛ خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، لم يكن خطاب الإسلاميين – الإخوان المسلمين والسلفيين - النقدي للغرب كافياً لتوفير الأسباب لاتخاذهم عدواً، حيث إن دور الحركة الإسلامية الحليف لأمريكا في أفغانستان كان حاسماً لهزيمة السوفييت، وليس هناك ما يستدعي الدخول على خط العداء معهم. ولذلك، لم تنجح محاولات الشيطنة واتهامات التطرف والإرهاب التي قام بها وكلاء الحركة الصهيونية في الغرب.

رابعاً؛ خلال تلك الفترة من التسعينيات، كان المشهد الإسلامي في الغرب يتوسع فضاؤه بشكل ملحوظ وخاصة في أمريكا، حتى إن منسوب التفاؤل بدا عالياً، وكان البعض يتنبأ بأن مشهد التمكين للإسلام سيتحقق في الغرب، حيث إن ظاهرة انتشار المساجد والمراكز الإسلامية هناك، وتأسيس المنظمات والجمعيات الدعوية والمنابر الإعلامية ومجموعات العمل السياسي، وانعقاد المؤتمرات والأنشطة والفعاليات التي تشرف عليها جهات إسلامية غدت سمة تشي بحجم التواجد والظهور الذي يبشر به مستقبل الإسلام في بلدان الغرب وحواضره.

في الحقيقة، لقد تملكتنا نحن الإسلاميين المقيمين في الغرب حالة من الانتشاء غير مسبوقة، وذلك لتنامي معدلات الحضور الإسلامي السريع في أمريكا، وكنا نتفاخر بأن "نصر الله والفتح" ودخول الناس في دين الله أفواجاً تتعاظم إرهاصاته في الغرب. ولعلي أتذكر ذلك الخطاب الشهير للسيد "لويس فرخان"؛ زعيم حركة "أمة الإسلام"، والذي كان يتحدث في المؤتمر السنوي للحركة أواخر التسعينيات حول رؤيته لما يراه تفسيراً لأحد علامات الساعة الكبرى، وهي "طلوع الشمس من الغرب"، بالقول: إن ذلك الظهور يعني التمكين للإسلام في العالم الغربي، والذي سيحمل رسالة الدين وينقلها بقوة فيما بعد للمشرق، انتصاراً للمستضعفين وأصحاب المظلومية من أبناء الإسلام، الذين يتعرضون للقهر والاضطهاد والظلم والاستبداد السياسي في بلدانهم.

من الجدير ذكره، أن الأجواء الدعوية والحركية في تسعينيات القرن الماضي كانت تبعث على التفاؤل، وتحمل الكثير من الطموحات وبشريات الأمل، إلا أن إسرائيل كانت تُبيت أمراً بليل، وكانت أجهزتها الأمنية وماكينتها الدعائية وأذرعها الكثيرة في دوائر صناعة القرار في الغرب تخطط لحرف المسار، وتعمل لتوجيه البوصلة لصالح مخططاتها بأن "الإسلام هو العدو"!!