معادلة "اسحبوا ساعاتكم من وقتنا"

بقلم: حمدي فراج

كأنهم لم يقرأوا محمود درويش عندما قال لهم : احملوا اسماءكم وانصرفوا / واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا / خذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة / خذوا ما شئتم من صور / خذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا / خذوا الماضي اذا شئتم الى سوق التحف .

لا أقصد "العرب" في انهم لا يقرأون ، فهؤلاء الذين وضع كل طرف قفطانه في فمه ، ليهرول الى المنامة ، لا يقرأون بالمطلق ، واذا ما قرأوا فإنهم لا يفهمون واذا ما فهموا فإنهم لا يدركون ، كثيرون منهم بالكاد يفك طلاسم الخط ، فما بالكم بآبائهم واجدادهم واسلافهم قبل قرن وأكثر عندما قدموا فلسطين هدية على طبق كرما لذوي العيون الزرق من الاناث والذكور ، فأمثالهم لا يفرق بينهما . اليوم تحديدا يستكملون المشوار ، من هو كوشنير غير غلام ذو عينين زرقاوين ليمنحوه خمسين مليار دولار كي يمنحها لنا ، او بالاصح كي يعيدها لنا بعد ان يأخذ عمولته او بدل أتعابه .

الآخرون ، الذي وجه درويش كلامه لهم قرأوه مبكرا ، منذ ان نشر "رسالته" قبل ٣٣سنة ، اثر انفجار انتفاضة الحجارة في وجههم ، قرأها رئيس وزرائهم انذاك اسحق شامير ، وطالب فرنسا حيث كان يقيم الدرويش بضرورة اعتقاله او ابعاده بتهمة معاداته للسامية ودعوته العلنية الى قتل اليهود ورميهم في البحر " آن أن تنصرفوا / ولتموتوا اينما شئتم / ولكن لا تموتوا بيننا" .

مؤخرا ، أعاد قراءتها من جديد ، شخص مهم ، احتل موقعا تقريريا في مسيرة الدولة التي تصغره بعشر سنوات ، رئيس جهاز الموساد "شبتاي شفيط" ، وربما يكون هو بالضرورة الذي اوعز لشامير ملاحقة الدرويش في فرنسا ، إذ انه كان رئيسا لهذا الجهاز الحيوي الدموي بين اعوام 1988 -1996 ، فعدا عن انه يجيد العربية كونه ولد في حيفا عام 1939 ، فإنه خريج جامعة هارفارد في مادة اللسانيات . بمناسبة بلوغه سن الثمانين اجرت معه "معاريف" اليمينية مقابلة قال فيها ، عن صفقة القرن : "لا أعرف تفاصيلها، لكنني أريد أن أشير إلى أخطاء ارتكبت. نقل السفارة إلى القدس، الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، تغريدة السفير الامريكي ، بأنه يوجد مبرر لإسرائيل ضم أجزاء من الضفة الغربية . هذه الأمور يفعلها شخص مبتدئ في السياسة" . عن اتفاقية اوسلو ، قال : اليمين حولها إلى شيء نجس ، أم كل الآثام . وعن السلطة الفلسطينية قال ان نتنياهو حولها الى فراغ .

فماذا نفهم من قوله في نهاية المقابلة : "إذا أضفتَ جميع المشاكل من حولنا، فعليك أن تحزم حقيبتك الآن وترحل" ، ماذا نفهم غير انه قرأ محمود درويش وفهمه ويريد ان يعمل به. "اخرجوا من ارضنا، من برنا، من بحرنا، من قمحنا، من ملحنا، من جرحنا".