"ازدهار" على صفيح ساخن

بقلم : اللواء بلال النتشة

الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس

انفضت ورشة البحرين التي حملت عنوان " ازدهار من اجل السلام " وحملت معها كل مخرجاتها وتوصياتها البائسة والتي لن تلقى لها مساحة كافية للتطبيق على ارض الواقع كما كان يتوقع معدوها. فأي ازدهار هذا واي سلام حقيقي وذي معنى طالما ظل الاحتلال جاثما على صدر الشعب الفلسطيني والاستيطان يستشري ويتمدد على الارض يوما بعد يوم .

واي ازدهار هذا الذي يتحدثون عنه يكون ثمنه قضية مقدسة هي قضية اللاجئين وحق العودة . واي ازدهار هذا يبقي القدس تحت السيطرة الاسرائيلية ويخرجها من دائرة التفاوض ويقرها عاصمة للدولة المحتلة .

انه الاذلال مدفوع الثمن وليس الازدهار مهما حاولوا تجميل الصورة فمن يمول المشاريع الاستيطانية على الارض الفلسطينية المحتلة ومن يعطي الحق لإسرائيل بقتل ابناء شعبنا تحت ذريعة الدفاع عن النفس لا يسعى بالمطلق لتحقيق الازدهار والسلام في المنطقة .

ان العنوان العريض الذي اختاره كوشنير وفريقه الذي يعمل على فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني هدفه من وراء اطلاق تسميات مختلفة من قبيل " الازدهار والسلام" او "وصفة العصر" ذر الرماد في العيون للانتقال الى مرحة اخطر وهي الدعوة الى مؤتمر دولي مماثل يرمي الى تصفية وكالة الغوث " الاونروا": وبمباركة من بعض الدول والتي بدورها ستمول عملية التصفية لغرض شطب قضية اللاجئين وحق العودة وبذلك تكون قد اكتملت الحلقة ولم يتبق سوى الاعلان الرسمي في عهد ترامب عن انهاء الملف الفلسطيني وتحقيق السلام "الاكذوبة".

ان ما يطرحه فريق ترامب للسلام في المنطقة اقل بكثير مما يعرضه بالأساس نتنياهو على القيادة الفلسطينية بمعنى انهم "ملكيون اكثر من الملك" وبمعنى اخر ادق ان نوازعهم الصهيونية هي التي تحركهم وتدفعهم الى تصفية الوجود الفلسطيني على الارض فيما الاردن ليست بمنأى عن هذه المؤامرة الكبيرة نتيجة للمواقف الثابتة والواضحة والمشرفة للملك عبد الله الثاني .... ان ما يطرحونه ي يرمي الى اعادة رسم خارطة المنطقة من جديد بما يتوافق مع الاطماع الاستعمارية في فلسطين وبقية الدول العربية والاسلامية والسيطرة على خيراتها دون اراقة قطرة دماء واحدة .

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح : هل تضمن الادارة الاميركية ان يبقى الوضع هادئا وان لا تندلع شرارة المواجهة العنيفة من مخيمات اللجوء في الوطن والشتات خاصة اذا ما علمنا ان الهدف المركزي لصفقة العصر هو تصفية قضيتي اللاجئين والقدس وهما "ام القضايا" الجوهرية محل الصراع مع اسرائيل.

ان على اميركا واسرائيل ان لا تستهينان بقدرات شعبنا فقوته تكمن في ضعفه فليس لديه ما يخاف عليه اكثر من حقوقه وكرامته . فاذا ما شعر ان هذه الحقوق والكرامة سوف تداس وتهان فانه سينفجر كالبركان فحذاري من غضب المظلوم فانه يكون جحيما .

وفي هذا المقام فانه لا بد من التأكيد على ان الرئيس محمود عباس "ابو مازن" يخوض اشرس معركة تاريخية مع الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل من اجل انتزاع وتثبيت حقوقنا الوطنية . وهو يتسلح بإرادة المحارب الجسور مستمدا قوته من الدعم الشعبي العارم في الوطن والشتات ومن الموقف الصلب للقوى والفصائل الوطنية المنضوية في اطار منظمة التحرير ، فهو يقاتل بالانابة عن الامتين العربية والاسلامية من اجل الحفاظ على الوطن والمقدسات والحقوق الوطنية العادلة التي اقرتها الشرعية الدولية ، وما المؤامرات السابقة على هذه القضية الطاهرة والتي كان مصيرها الفشل الا نموذجا صارخا على فشل المؤامرات الجديدة .

ان ورشة البحرين التي تشكل مدخلا اساسيا لتنفيذ صفقة القرن التي تستبدل الحل السياسي باخر اقتصادي وهمي ، فشلت بجدارة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار مستوى التمثيل الهزيل لبعض الدول العربية والى المخرجات والتوصيات التي نتجت عنها ، لذا فإن على الرئيس ترامب وفريقه الذي يعتبر عرابا للاستيطان في الاراضي الفلسطينية الاعتراف بالهزيمة بدلا من المفاخرة بنصر مزعوم .

كما اننا نقول لترامب ومن هذا المنبر المقدسي الحر : ان مدينة القدس التي اهداها لدولة الاحتلال لتكون عاصمة لها لن يحسم مصيرها تاجر عقارات يقامر بالسياسة لصالح الاقتصاد بل ان من يقرر مصير القدس هي الجماهير الفلسطينية العظيمة التي خرجت في كل المدن والارياف والمخيمات لتقول لا لبيع الوطن بالمال " ، كما ان القيادة الفلسطينية التي صمدت في كل المراحل النضالية وتعرضت لمئات المؤامرات لسحق القضية الوطنية خرجت في كل حرب منتصرة فيما رد المتآمرون على اعقابهم .

ان الشارع الفلسطيني عامة والمقدسي على وجه الخصوص يقف على قلب رجل واحد الى جانب قيادته الشرعية وهي تقاتل ببسالة دفاعا عن حقوقنا الوطنية ، لذا فان المرحلة الراهنة تتطلب رص الصفوف والتخندق في جبهة واحدة والابتعاد عن الحسابات الحزبية الضيقة او الاجندات الخارجية التي لا تخدم قضيتنا بقدر ما تلحق بها الضرر . ".

ان القيادة الفلسطينية دائمة الرهان على الشعوب العربية والاسلامية الوفية للقضية الفلسطينية كما انها لا تزر وازرة وزر اخرى فيما يتعلق بمشاركة هذه الدولة او تلك في "الورشة الفاشلة" ولكنها في الوقت ذاته تثمن كل المواقف الشعبية والرسمية الشجاعة وخاصة مجلس الامة الكويتي الذي اعلن رسميا عن عدم مشاركة بلاده في " مهزلة المنامة" .

ان كل محاولات التجميل التي تضفيها الولايات المتحدة الاميركية على صفقة القرن عبر مبعوثيها الذين يعملون لصالح الاحتلال وتحت عباءته ، يجب ان تحفز دول العالم وفي مقدمتها روسيا والصين على قول كلمتها في رفض استمرار التفرد الاميركي برعاية ما يسمى "عملية السلام" في المنطقة ، فمثل هذه الادارة لا تستطيع ان تنجز حلا سياسيا ينصف الشعب الفلسطيني حتى ولو فشلت الصفقة والورشة ، فترامب يقف الى جانب اقصى اليمن المتطرف في اسرائيل والذي ينكر الوجود الفلسطيني برمته على ارضه التاريخية وفي المقابل يؤمن بالترحيل الجماعي لشعبنا وتشريده في كافة بقاع الارض وسفك دمه اينما حل وارتحل .

بناء على ما سبق فإنني اراهن على الارادة الشعبية الصلبة التي اثبتت قدرتها على الانتصار في كافة مراحل النضال الوطني فبالوحدة الوطنية والالتفاف الجماهيري حول القيادة الفلسطينية وبتغليب العام على الخاص نستطيع ان نفشل اكبر مؤامرة .

ختاما فانه يتوجب علينا في هذا المقام ان نترحم على شهيد القدس ابن العيساوية الصامدة " محمد عبيد" الذي خضب بدمه القاني تراب القدس الطهور. فإلى جنان الخلد يا محمد وان تعلن بدمك الحار ان فلسطين ليست للبيع وان للقدس رجال تفديها بالأرواح . وان لا تعايش مع الاحتلال ، مستصرخا كل حر شريف في هذا العالم ان يقف الى جانب الشعب الفلسطيني الذي من حقه ان يعيش على ارض وطنه بحرية وامن وكرامة كبقية شعوب العالم .