شعرة معاوية الفلسطينية!

بقلم: الدكتور ناجى صادق شراب*

لقد أصبحت شعرة معاوية أحد أسس المبادئ في العلوم السياسية والتي تدرس في علم أدبيات ألأزمات الدولية ، وتشير إلى الفطنة السياسية، وتنسب لمعاوية بن أبى سفيان الذى حكم أربعين سنة من دمشق بعد فترة عصيبة من النزاع والفتنة الإسلامية في أعقاب سيطرته على الحكم، وتؤسس لمرحلة سياسية جديده في تاريخ الحكم الإسلامي، وهى الإنتقال من حكم الخلفاء إلى حكم الرجل القوي، وهى النظرية المعمول بها اليوم بشكل واضح. والقصة أن أعرابيا سأل معاوية كيف حكمت الشام أربعين سنه ولم تحدث فتنة؟ فأجابه معاويه :إنى لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفينى لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما إنقطعت، كانوا إذا مدوها أرخيتها وإذا أرخوها مددتها.

هذه المقولة تنطبق اليوم على حالة العلاقة ليس فقط بين فتح وحماس ، ولكن أيضا في العلاقة مع إسرائيل ، وخصوصا العلاقة بين حماس وإسرائيل والسلطة وإسرائيل. وتؤسس هذه المقولة لكيفية إدارة وضبط الصراعات والخلافات حتى على مستوى الدول. والدلالة الثانية الحفاظ على الأمر الواقع، والحفاظ على البقاء والإستمرار، وكيفية التعامل بواقعية وبرغماتيه مع الخلافات والصراعات. هذا ما حدث في العلاقة حتى الآن بين حماس وفتح، وبينهما والعلاقة مع إسرائيل من ناحية ثانيه.

ونحن هنا امام ثلاث مراحل:

- مرحلة الحفاظ على بقاء الشعرة ممدوده، وهي مرحلة ألأمر الواقع، وهي المرحلة التي ما زالت قائمة منذ سيطرة حماس على غزة 2007، فرغم التصعيد والتوتر في العلاقة الذي قد وصل لمراحل متقدمه أوصلتنا للإعتقاد اننا بتنا أمام مرحلة القطيعة الكاملة ، إلا أن الخوف من مرحلة ما بعد قطع الشعرة أبقت هذه الشعرة ممدوده حتى الآن، لأن المخاطر والتداعيات أكبر بكثير، وقد تمس وجود وبقاء كل منهما. مظاهر هذه المرحلة كثيرة في إستمرار لقاءات المصالحة على الرغم من فشلها ،لكنها أشبة بالشعرة الممدوده، فلا يجرؤ أى منهما ان يعلن إنتهاء المصالحة ، بل العكس يؤكد ان يده ما زالت ممدوده.

مرحلة تحسين ألأمر الواقع ، وألانتقال إلى مرحلة التصالح والمصالحة وحل كل المشاكل التي قد تتسبب في فتنة ونزاع داخلي يحصد الجميع ، والكل فيه خاسر.

- المرحلة الثانية تعتمد على إدراك مخاطر المرحلة ألأولى ، والخوف من دقة الشعرة وهشاشتها ، ويمكن قطعها عند أي تيار سياسي جارف، وعندها الكل خاسر، هذا الخوف والتخوف قد يقود للمرحلة الثانية مرحلة الكل فائز. وإستبدالها بالكل خاسر. ومما يعزز من فرص هذه المرحلة حالة ألاحتلال الإسرائيلي وإستمراره ، فلا يستقيم البقاء في مرحلة الأمر الواقع والاحتلال مستمر، ناهيك عن الضرر الذي يعود على خيارات المقاومة والتفاوض.

ومما يعزز هذه المرحلة أيضا وحدانية الشعب الفلسطيني ورفضه لكل مظاهر الحالة ألأولى، وحجم المخاطر التي تحيق بالقضية الفلسطينية ومحاولة تفكيكها والتخلص منها، ولذلك لا حماس ولا فتح تريدان أن تتهما بأنها سبب أو أداة في هذه التصفية، لأن ذلك يصل إلى حد الخيانة الوطنية، ويفقدهما مبررات شرعيتهما الوطنية.

- مرحلة القطع الكامل لهذه الشعرة ، وهي مرحلة الفتنة والنزاع والحرب الداخلية ، وهي مرحلة مستبعدة رغم الفاصل الجغرافي الذي يلعب دورا كبيرا في إستمرار المرحلة ألأولى .

والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف للفتنة أن تحدث وهذا الحاجز الجغرافى والإسرائيلى القائم والذي يبعد بين الضفة الغربية التي تسيطر عليها فتح، وغزة التي تسيطر عليها حماس؟

والإجابة ببساطه االتواجد السياسي والبشري لكل منهما فالضفة كما فتح، كما حماس وغزة كما حماس كما فتح، ناهيك عن التواجد الفصائلي الذي لن يكون بعيدا عن أي نزاع وفتنة. والدخول في الفتنة والحرب الأهلية ثمنه السياسي واضح وهو فقدان القضية الفلسطينية وفقدان وحدانية الشعب الفلسطيني.

يمكن تصور هذه المرحلة الثالثة في حالة واحدة وهي مرحلة إنهاء الاحتلال ، وفرض أو القبول بصفقة القرن، عندها يمكن تصور هذه المرحلة بكل سهولة، وتحول غزة لنواة دويلة أو كينونة تحت سيطرة حماس بإطار إقليمي إسرائيلي، والضفة الغربية بحكم خصائصها الجغرافية بحكم فتح في إطار إقليمي إسرائيلي أيضا.

في الحالتين إسرائيل هي من يقرر المرحلة الثالثة. وتبقى كل الإحتمالات مفتوحة، ويبقى السؤال: وهل لدينا ذكاء وفطنة معاوية وسيفه ولسانه؟ وهل لدينا القدرة على الإنتظار أربعين سنة؟

يبدو أن الفترة القريبة ستقرر مصير شعرة معاوية ،ومعها مصير القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

*استاذ علوم سياسية - غزة