ماذا وراء سلب أموالنا؟

بقلم: زهير الدبعي*

بعد إحتلال أربعة أخماس فلسطين وتهجير أهلها بالعنف الدموي المفرط بناء على سياسات وخطط وتعليمات، جرى إحتلال الخمس الأخير وهو ما يعرف بالضفة والقطاع، وكذلك سيناء والجولان في حزيران 1967، وتهجير أهالي قلقيلية وقرى اللطرون الثلاث بيت نوبا ويالو وعمواس.

لم يكف ساسة الإحتلال ووسائل إعلامه عن الحديث عن السلام والدعوة لطاولة المفاوضات حتى انطلت علينا هذه الخدعة، وجلسنا على طاولة المفاوضات، وتنازلنا تنازلات قاسية وغير متخيلة، ومع ذلك أيد أكثر من نصف الشعب الفلسطيني هذه التسوية الجائرة رغبة منه في السلام وحرصاً منه على وضع حد لسفك الدماء. وكشفت الأيام والأحداث أن الإحتلال يعني بالسلام شيئاً غريباً ليس له أدنى علاقة بالحرية والعدل والرغبة في العيش كجيران، وتسخير كل الطاقات للبناء والتنمية، وكل ما يجعل حياة الإنسان أكثر أمناً واستقراراً واحترام كرامته التي أرادها خالق الجميع، والتي يقوضها الظلم والعنصرية والإحتلال.

السلام الذي نريده يعني تطهير كل المناهج المدرسية والمساقات الجامعية وعظات الكنس وحملات وسائل الإعلام من كل دعاوى فوقية وعنصرية تشرعن القتل والسلب والحصار وتدنيس المقدسات واستهدافها. والحديث عن إنتهاكات الإحتلال لحقوق الإنسان فضلاً عن حقوقنا كمواطنين لا حصر لها. وليس آخرها سلب أموالنا بدعوى أننا نصرف لأسر الأسرى والشهداء.

لا يوجد شعب في العالم يتهرب من واجبه ومسؤولياته تجاه من انفرطت عقود دمائهم، ومن انحازوا إلى حرية شعبهم فكان مصيرهم معتقلات الاحتلال. وعلينا الإشارة إلى أننا نصرف رواتب لأمهات وزوجات وأطفال الشهداء والأسرى وهذا واجب ديني وشرعي وأخلاقي فضلاً عن طبيعته الوطنية النضالية الثورية. وهل يتردد المحتلون في صرف رواتب لأسر العسكريين الذين قتلوا في صيدا وصور وبيروت؟ وهل يتخلى المحتلون عن صرف رواتب لأسر العسكريين الذين قتلوا في غزة ونابلس ورفح وجنين؟

إن سلب الإحتلال لأموالنا بدعوى صرفنا رواتب لأسر الشهداء والأسرى لن يتوقف عند هذا الإجراء العدواني غير القانوني الذي يتناقض مع القانون الدولي وكل مواثيق حقوق الإنسان. فهل سيأتي يوم قريب يسلب الاحتلال مبالغ إضافية من أموالنا العامة بدعوى أن موظفاً كتب مقالاً عن داره أو بيارته أو مسجده أو كنيسته أو قبور أجداده في يافا وصفد وبيسان واللد والرملة والمجدل؟ هل سيقدم الإحتلال بعد فترة قصيرة بسلب مزيد من أموالنا عن كل موظف وأسرته بدعوى أنه ( محرض ) في خطبة الجمعة أو في وسائل الإعلام؟ ليس أمامنا سوى الصمود والصبر والرباط واستخدام أعلى ما لدينا من وعي وإرادة وعزيمة لأن إطماع الإحتلال وإستغواله لا حدود لها. ليس أمامنا سوى الصبر على ما تعانيه اسر الموظفين، وغيرهم من المواطنين في القطاعات المختلفة. الإحتلال يريد أن نُجيرّ غضبنا واستياءنا لسلبه لأموالنا إلى بعض مكونات شعبنا، إلى شركائنا في المعاناة، ويحسن بنا أن نعي جيداً أن صبرنا على ما نكره يعني أن نحمي أنفسنا من الخطوات التالية إذا نجح الإحتلال في فرض عربدته وعدوانه الجديد.

علينا أن نحافظ على وحدتنا، رسميون وأهليون وقطاع خاص ومن كل الأطياف، لأن الإحتلال يستهدفنا جميعاً.

الإحتلال لم يستهدف قادة وأنصار الحزب العربي في يافا وحيفا وعكا إنما استهدف الجميع بما فيهم قادة وأنصار حزب الدفاع وكذلك المواطنين المستقلين. وكما حقق شعبنا في القدس تلاحماً ووحدة وتكاتفاً في رفض البوابات الإلكترونية للاحتلال في مداخل المسجد الأقصى المبارك فأنه سيحقق نجاحاً من الجميع وبالجميع وللجميع بمزيج المقاومة المباركة القوية المثمرة المكونة من الوعي والمعرفة والحكمة والصبر والإرادة ودروس الهزيمة والمثابرة ووحدة الصف والجهد المؤسسي والإدارة الرشيدة والقدرة على الجهد الجماعي والعمل بروح الفريق.

ورحم الله الشاعر القائل: إن أجمل الأطفال الذين لم يولدوا بعد، وأن أجمل الأيام التي لم نعشها بعد.

ويقول الله سبحانه وتعالى: " وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ".

والنصر لشعبنا وأمتنا ولمعسكر الحرية والعدل والكرامة والتنمية في هذا الكوكب. والهزيمة لقوى الظلم والاحتلال والعنصرية والاستكبار.

*المدير الأسبق للأوقاف والشؤون الدينية في نابلس