ورشة البحرين... حضور أردني بحجم الغياب

بقلم: فهد الخيطان

ليس ثمة شيء يستحق أن نختلف عليه أردنيا ونبدد التوافق الوطني الذي تحقق حول ثوابت الأردن حيال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأعني هنا الجدل حول المشاركة الأردنية بورشة البحرين.


مستوى التمثيل في الورشة يعادل الغياب تماما؛ مسؤول فني من الجهاز البيروقراطي لوزارة المالية، كلف بحضور الورشة والاستماع فقط لما يتم تداوله من نقاشات تستمر لبضع ساعات.
حضر الأردن العديد من الورش والمنتديات المماثلة التي عقدت في واشنطن وعواصم أوروبية وإقليمية، فعلى مدار سنوات عملية السلام الطويلة والمتعثرة، نظمت عشرات المؤتمرات واللقاءات، تناولت مواضيع شتى تخص الصراع مع إسرائيل، لم ينتج عنها أي شيء يذكر.

في المقابل حافظ الأردن على ثوابته وتمسك بشروطه للحل العادل لقضية الشعب الفلسطيني.
كوشنير وفريقه بلا خبرة في تاريخ الصراع بالشرق الأوسط، وكان بإمكانهم العودة لأرشيف عملية السلام بعد أوسلو ووادي عربة وقبلهما كامب ديفيد، ليدركوا أن الحلول الاقتصادية لم تفلح في حل الصراع، فقد عقدت مؤتمرات اقتصادية وتبنى قادة إسرائيليون خططا للازدهار الاقتصادي، تحولت كلها لسراب في غياب آفاق الحل السياسي العادل والقائم على ضمان حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
وماكشف عنه كوشنير من تفاصيل لخطة التنمية والازدهار والمنوي مناقشتها في ورشة البحرين، هي على نفس المنوال.

سيل من الوعود بمشاريع اقتصادية قائمة على فرضيات بجمع أكثر من خمسين مليار دولار في المرحلة الأولى. لكن بعد التدقيق في المعلومات نكتشف أن السيد كوشنير يراهن على دول الخليج العربي لدفع هذه المليارات، في وقت تعاني فيه هذه الدول من أزمات اقتصادية وتذبذب أسعار النفط، وتكاليف هائلة لتمويل الحرب في اليمن ومواجهة التهديدات الإيرانية بصفقات سلاح بمبالغ فلكية، ناهيك عن أزمة دول الخليج الداخلية التي تهدد بتصدع مجلس التعاون الخليجي.


السيد كوشنير يسبح في الخيال عندما يتوقع من هذه الدول أن تغامر بإنفاق خمسين مليار دولار دفعة أولى فقط، في منطقة تغرق بالصراعات والحروب، ويفترض سلفا أن الدول هذه وفي مقدمتها فلسطين ستقبل بالشق السياسي من صفقة الحل المزعوم.

بعبارة أخرى كوشنير يريد من دول الخليج أن تشتري السمك في البحر وقبل اصطياده، ومن الفلسطينيين التظاهر بالشبع.
والمفارقة أن ما من أحد في الأوساط الدولية والقوى الوازنة في العالم تشاطر كوشنير تخيلاته للحل الاقتصادي، ولهذا سارعت معظم الدول الأوروبية إلى مجاملة إدارة ترامب بمشاركة فنية منخفضة بالورشة، فيما حرصت دول منافسة مثل روسيا والصين على مناكفة ترامب بالغياب.


غياب الأردن عن الورشة كان سيرتب كلفة سياسية تفوق بكثير كلفة المشاركة، ومابينهما اختار الحضور كمستمع وأقرب مايكون لدور المراقب، مع تأكيد واضح وصريح بعدم التزامه بأي من مخرجات الورشة حتى ماتعلق منها بالمليارات التي تكرم كوشنير برصدها للأردن في خطته الحالمة.