خريطة توقعات ذكية

بقلم: الدكتور باسم الطويسي

هناك حاجة اليوم إلى قدرات ابتكارية فعلية وغير عادية في تقدير المواقف وبناء التوقعات والاشارة إلى أين تسير الاحداث، نكتشف كل يوم كما ثبت في آخر خمسة اعوام أن العالم يشهد تغيرا جذريا، ولكنه غامض في القوى الفاعلة على الأرض فيما ماتزال الدول والكيانات تتصارع وتتعاون على نفس القضايا وفي المجالات ذاتها، ونحن وحدنا في هذا الجزء من العالم لم نفهم كنه التغيير رغم انه يصدمنا كل يوم.

فكروا قليلا بالطريقة التي يتصرف فيها الروس ازاء الصراع الاميركي – الايراني، كيف يتطور الموقف الاوروبي من ملف التسوية السياسية في المنطقة، وعلى هذا الاساس كيف تتخلى دول عظمى عن مبادئ اساسية في سياستها الدولية.


تقدير الموقف في هذه المرحلة يحتاج رؤية متعددة المداخل لا تكتفي بالامني والسياسي والاقتصادي، بل تتجاوز ذلك لفهم الاليات الاجتماعية والثقافية التي تصوغ التفاعلات الجديدة والقوى الفاعلة الجديدة، وتنتبه الى الاجيال الجديدة من الشباب وفهمهم للعالم الجديد من جهة وتصورهم للذات والمستقبل في ضوء ما يحيط بهم من ظروف سياسية واقتصادية وكيف يؤثرون في صياغة السياسة الدولية في المجتمعات الديمقراطية، وبالتالي فهم جيل جديد من قادة العالم بقيم مختلفة واجندات متباينة، شاهدنا جميعا الاسبوع الماضي اللقاء بين الرئيس الاميركي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، وتساءلنا اي قيم تجمعهما؟


هل نملك قدرة ولو معقولة على فهم العالم من حولنا او على اقل تقدير فهم طبيعة السياسة التي تسير الاقليم، وما يشهده من تغيرات حادة في الاستراتيجيات وفي التحالفات وفي الاقتصاد وحتى في الثقافة، وما ينتظره خلال الاعوام القليلة القادمة، هل نفهم ديناميات التحولات التي يشهدها المجتمع والسلطة في اسرائيل ؟ وكيف يتغير المجتمع السياسي هناك؟

وهل تتغير الاولويات والرؤية الاستراتيجية للصراع، وهل لدينا ادواتنا لفهم ما يجري في الخليج وما هي محركات الصراعات الجديدة ؟ وماذا بعد سنوات النفط الرخيص، كيف سيعاد بناء المشرق العربي بعد سنوات الصراع المريرة ؟ وهل ننتظر قوى فاعلة جديدة وشروطا جديدة للعبة السياسية في المنطقة؟


هناك فرق بين تقدير الموقف القائم على ادراك لكافة تفاصيل المشهد والقادر على بناء خريطة توقعات ذكية، وبين الركون الى الطمأنينة الزائفة. كما ان هناك فرقا بين التقدير الاستراتيجي والمغامرة الاستراتيجية؛ فالجماعات الاختراقية الصغيرة ستكون احد ابرز اشكال التهديد القادم وقد لا يشترط ارتباطها المباشر بالتنظيمات الكبيرة او المؤسسات والكيانات، والعوامل المؤثرة والفاعلة غير المعلومة ستزداد مساحة حضورها ليس لشيء اكثر من عدم القدرة على تحديد من هم الفاعلون الحقيقيون في الاحداث.


لعل ابرز سمة قابلة لوصف التوقعات السياسية والاستراتيجية هي عدم اليقين والشك في الكثير من السيناريوهات والاحتمالات المرجحة التي تتردد حاليا، فقد تعلم العالم من خبرة السنوات الاخيرة ان هناك احتمالا كبيرا دوما لتغيير التوقعات رأسا على عقب وبروز تحولات غير مدركة وخارج دائرة الحدس السياسي والاستراتيجي تغير مسار الاحداث تماما، او بروز ظواهر غير متوقعة تتجاوز نظم المراقبة وبناء التوقعات.


عكس ما قد يتوقع كثيرون تزداد الحاجة اليوم للمزيد من تنمية الخيال السياسي، يبدو العالم العربي احد الامثلة الاكثر وضوحا لفقر الخيال السياسي لدى النخب الحاكمة وحتى النخب المثقفة، فمنذ ثلاثة عقود تعصف بالمنطقة الصدمات والمفاجآت دون ان تطور هذه النخب قدراتها في ادراك ما يحدث حولها ولعل الثورات والتحولات العربية وما آلت اليه المثال الابرز في هذا المجال وهذا ما ينسحب على تحولات الطاقة وازمة اسعار النفط والعلاقات الدولية والاقليمية وتمدد الدور الروسي وتحولات الاسلام السياسي وحركات التطرف وصولا الى ما يسمى صفقة القرن والحروب المتوقعة الكثير منها كان خارج التوقعات.