اقدام "إيناس" لا تتقاعد رغم المرض

جنين- "القدس" دوت كوم- أحمد أبو طول- تمتلئ حياة كل منا بالكثير من المواقف السعيدة والحزينة، وجميعها تعلم الإنسان، فمن يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبداً، وسيرى الدنيا تتحرك بمشيئة الله بين الناس، فالأغنياء يصبحون فقراءً، والفقراء ينقلبون أغنياءً، وضعفاء الأمس أقوياء اليوم، والحوادث لا تكف عن الجريان، لا حزن يستمر، ولا فرح يدوم، وأخطر ما في المرض ليس الألم، إنما الإنصات الشديد لما يحدث، فالمرض مدرسة تربوية لو أحسن المريض الاستفادة منها لكان نعمة لا نقمة ُوإن ضاقت بك النفس عما بك، ومزّق الشك قلبك فكنْ موقناً بأنّ هنالك باب يفيض رحمةً، ونوراً، وهدىً؛ فعند ربك باب لا ينغلق، أفكار ترسخت في عقل فتاة عاشت حياتين الأولى دون مرض والثانية مع المرض.

إيناس عباهرة (27 عاما) من مدينة جنين، تعاني من مرض يسمى "ميو بثي" منذ 7 سنوات عجاف، وهو اعتلال يصيب عضلات الجسم، وهو نوع من أنواع الضمور العضلي.

ايناس، خريجة التحاليل الطبية من الجامعة العربية الامريكية، تعمل معدة ومقدمة برامج في راديو البلد في مدينتها، ومن أبرز برامجها "نص سوشل ونص ميديا"، و"لايف على البلد"، و"انت مروح مع ايناس"، و"نص ساعة ابداع"، و"ستوري"، وغيرها.

بالإضافة الى ذلك، تعمل ايناس فنية مختبر في مديرية الصحة في جنين، وهي صاحبة عدة مبادرات وأفكار، منها حملة دفء كن شمعة في الظلام، ومبادرة مرحبا انا موجود، وهمة شبابية، ومتحدثة في منبر "شيكان" بمناسبة يوم المرأة العالمي، واحدى ابرز النساء الرياديات في جنين.

تقول ايناس: "ولدت سليمة معافاة دون أية مشاكل صحية، وكنت كغيري من الفتيات لدي طموحي الخاص في دراسة التحاليل الطبية وفي الوظيفة وفي الزواج من الرجل المناسب لي، وكان ذلك قد حصل وتحقق وكان زواجي تدق اجراسه مباشرة بعد تخرجي بسن 20، لكن بدأ طموحي يضمحل تدريجياً بالتزامن مع ضعف قدمي وتوازني الى تخلي خطيبي عني، الى الانهيار النفسي الذي اصابني، الى عدم تقبلي في المجتمع، الى فكرة عدم وجود علاج وان نهايتي على كرسي متحرك كما قال لي طبيبي الخاص منذ 7 سنوات".

وتابعت: "كنت أقف على طريق وامامي جبل ولا أملك الا خيارين، الأول ان ابقى في القاع منكسرة ومهزومة، والثاني أن استجمع قواي واتقبل التحدي والواقع الجديد واتسلق الجبل حتى اصل الى القمة، وهنا ظهر امامي نور جديد لم يكن في بالي ولا في مخيلتي، وهو الاعلام الذي صقل وشكل ايناس بقوى وإرادة وعزيمة لم تكن عليها من قبل".

وبينت أنها تحمل بين جوارحها مسؤولية كبيرة وعظيمة ورسالة فحواها: نحن منكم ومثلكم وقادرون ونستطيع رغم الإعاقة والمرض، رسالة تعبر عن ذوي الاحتياجات الخاصة وثقل وزنهم وعظيم شأنهم في المجتمع، متمنية تقبلهم ودمجهم وتشجيعهم وعدم الانتقاص من شأنهم من قبل افراد المجتمع.

وأشادت عباهرة بصديقها ورفيق دربها الجديد "الووكر" الذي يدعمها ويقف معها في كل لحظاتها من جهة وبأطفالها الثلاثة خالد الذي ينمو في احشائها ويمدها بشعور الامومة، واحمد الذي يسندها ويدعمها من اليمين، وخديجة التي تعمل نفس الشيء من جهة اليسار، مبينة ان العلاقات الخيالية التي انشأتها مع اطفالها الوهميين جاءت من منطلق انها لا تنجب، فكان خالد الطفل الذي يعيش بداخلها، واحمد وخديجة قدماها اللتان تسندها وتدعمها حتى اللحظة، مثبتة لطبيبها انها لم تنتهي على كرسي متحرك منذ 7 سنوات.

وختمت ايناس: "من المهم أن تعرف ما هي شخصية المريض أكثر مما تعرف ما هو المرض الذي يحمله، ولولا الألم لكان المرض راحة تحبب الكسل، ولولاه لافترست الصحة أجمل نوازع الرحمة في الإنسان، ولولا الصحة لما قام الإنسان بواجب، ولولا الواجبات والعبادة لما كان لوجود الانسان في هذه الحياة معنى".

من جانبه، قال مدير اذاعة البلد ورد شلبك، إن ايناس فتاة مجتهدة ومميزة تطمح دائماً إلى تطوير نفسها في مجال العمل الصحفي والاجتماعي على حدٍ سواء، ولكل شخص ميزة خاصة عن غيره، وإيناس لا يمكن مقارنتها باحد، فهي مبادرة ونشيطة على الرغم من انها لم تدرس الاعلام ولم تأخذ أية دورات في مجال الصحافة.

وتابع: "أدخلت ايناس الى الإذاعة الأمل والروح الجميلة والكثير من التفاصيل التي لا تروى ولكنها تعاش في كل يوم داخل جدران إذاعة البلد، موجهاَ رسالة لها كوني كما أنت بنفس الروح والمعنويات والرغبة، وهناك دائماً ما هو جديد وسعيك الدائم نحوه هو ما يميزك".

من جهته، أوضح تيسير عباهرة والد ايناس انه كان يضغط على ابنته في العلاج والاستجابة لرأي طبيبها بضرورة بتر قدميها واستبدالهما بأطراف صناعية، لكنها رفضت ذلك.

واشار الى انه كان يرفض في البداية فكرة دخول ايناس مجال الاعلام، الا انه وبعد التغيرات والدعم والنجاح والاحترام الذي لمسه من المجتمع اتجاها، أصبح من اكبر المعجبين بعزيمتها واصرارها والداعمين لأهدافها وطموحاتها.

بدورها اعتبرت اخصائية العلاج الطبيعي منار عياد، ان ايناس قصة نجاح عظيمة لأنه من الناحية الطبية يجب ان تكون على كرسي متحرك الان، ولا تستطيع ان تحرك أي من قدميها، لكنها وبتصميمها غير المعهود ما زالت واقفة وبتحسن مستمر وملحوظ بالمقارنة مع وضعها السابق، مبينة ان التفاؤل والامل والثقة والإرادة والايمان التي تمتلكها ايناس اوصلتها الى ما هي عليه اليوم.