من ذكريات سجان في مستشفى الرملة الإسرائيلي

بقلم: عيسى قراقع

عضو المجلس التشريعي ورئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين السابق

عشرون سجينا فلسطينيا مريضا يقبعون بشكل دائم فيما يسمى مستشفى سجن الرملة الإسرائيلي، وسجان اسرائيلي يشرف على حياتهم وأوضاعهم الروتينية منذ زمن بعيد، ضار خبيرا بالأسرى المرضى، يعرف ميقات موتهم وميقات صراخهم ولسعة أوجاعهم، يعرف متى ينامون ومتى يرتجفون، يشم رائحة أجسادهم المدمرة، واخر موجات أنفاسهم المتقطعة وسخونة أحلامهم، وكل حركة فيهم تخضع للرقابة والضبط.

انا سجان إسرائيلي تعودت على رائحة الأدوية والدماء والقيء والسعال ومشاهد البرابيش وأكياس البول تتدلى من أجساد المصابين في سجن مستشفى الرملة، مشاهد صارت عادية وطبيعية، عالم اخر انا احكمه وأتحكم في مساره، انه عالم المرضى الذاهبين ببطء إلى الآخرة، أقدام مبتورة، أجسام مشلولة، عربات متحركة، عكازات، ضمادات، قطن وبقع حمراء، أجسام مفتوحة، هذيانات ملغومة، عالم ممتع وجميل يشعرني باللذة في هذه المقبرة الحية، بنفسي أرى عذابات سكان المقبرة، لكنني لا أرى ملائكة، لا اسمع أسئلة، لا أرى من يأتي للزيارة أو يكشف عن هذا العالم البعيد، انا السيد الوحيد، انا السكين والدواء، انا القاضي والجلاد، انا امثل دولة إسرائيل التي انتصرت على الضحايا الفلسطينيين، وانتصرت على طموحاتهم وأرسلتهم إلى الموت أو النسيان.

لقد مر عني المئات من الأسرى الفلسطينيين المرضى، أطفال وشبان ونساء،ـ جاءوا وخرجوا، بعضهم خرج في تابوت اسود ميتا بعد ان قضى عليه المرض، رايتهم يحتضرون بصمت، رأيت الأمراض تسري في أجسادهم وتتكاثر وتتزايد كأني أشاهد فلما جميلا، ذلك الأسير كان يمشي ثم عجز عن ذلك، كان يتكلم ثم توقف، كان يأخذ المسكنات الكثيرة حتى تخدر جسده ولم يعد لها مفعول، كنت اعرف متى يسقط ومتى يغلق عيناه إلى الأبد، تركوا رسائلهم وصور أولادهم هنا على ابراشهم وخرجوا أمواتا، لم يأت احد لأخذها، لا زالت عندي كجزء من التاريخ الحربي، وشهادة على دوري في خدمة دولتي وحكومتي وديني ونياشيني التي استحقها.

انا سجان إسرائيلي، اعمل في سجن مستشفى الرملة، أحيانا اشعر بالملل، لم يمت حتى الان منصور موقدة، هذا الأسير المشلول المحطم والمدمر بالرصاص، منذ 20 عاما وهو يحاول ان يحيا، جاءه الموت أكثر من مرة، راوغ الموت وعاش، وكم كنت سعيدا عندما ابلغوني بتحضير الأكياس السوداء للأسير سامي أبو دياك، فقد وصل إلى حافة الموت، الأورام تنهش جسده ولكنه لم يمت، فقد عاش أيضا، وعندما كنت اسمع صرخات وأنات الأسير المشلول خالد الشاويش اعتقدت انها الصرخات الأخيرة، كان يموت الف مرة، لم تعد الأدوية تجدي ولكنه لا زال حيا، انا على انتظار موت كبير في أي لحظة، لهذا ألغيت كل إجازاتي لاستمتع برؤية الموت وهو يرقص في أجواء هذه الغرفة التي تسمى مستشفى، الموت لا يعرف النوم هنا.

انا سجان إسرائيلي اعمل في سجن مستشفى الرملة، البس ثوم الطبيب أحيانا وثوب السجان أحيانا أخرى، احمد الله اني أصبحت بليدا فاقد الإحساس حتى لا أتعاطف مع هؤلاء الأسرى المجرمين والإرهابيين كما علمتني دولتي ومدرستي وتربيتي وتدريباتي، لا تعاطف مع هؤلاء، لا مشاعر، لا اقرأ أي شيء عن الاتفاقيات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، الحمد لله اني صرت آلة وجهاز تنفيذ الأوامر، فهؤلاء الأسرى ليسوا بشرا بل اشياءً أو جثثنا وحطاماً، أنهم أسماء ميتة وعلينا ان نجردهم من إنسانيتهم، ان يبقوا نصف إحياء حتى يقرر سيد الموت شانهم، اما النصف الاخر وهو الإرادة أو الحرية أو الكرامة فعلينا ان نقضي عليها وان نوصل هؤلاء الأسرى إلى حالة مزرية خالية من الكبرياء والكرامة والاحترام.

انا سجان اعمل في سجن مستشفى الرملة الإسرائيلي، ما أجمل ان ترى أجساما مشوهة، لقد جاءت إلى المستشفى إسراء الجعابيص، جسدها وجلدها منكمش ملتصقة أطرافها ببعض، امرأة محروقة، شبه ميتة، وانا من رأيت كيف بتروا قدمي الأسير ناهض الأقرع، وقدم الأسير جلال شراونة، صوت العظام يتفتت، اللحم والدم يتناثر في أجواء احتفالية، وزاد متعتي عندما رايتهم كيف بتروا قدم الطفل محمود صلاح، ما أروع وما أبهى ان ترى الأطفال بلا أقدام، هؤلاء الذين أزعجتنا حجارتهم وأياديهم وأقدامهم، يجب ان ينقصوا اما اطرافاً أو حياةً حتى نعيش نحن في سلام ودون خوف.

انا سجان إسرائيلي اعمل في سجن مستشفى الرملة، لم نسمح لأي لجنة طبية أو مؤسسة دولية بالمجيء إلى هنا، من يحرر من الأسرى المرضى اعرف من ملفه الطبي انه سيموت بعد أسابيع أو شهور، لقد زرعنا الموت في أجسامهم، ان مهمتي ان اقمع شيئا موجودا في الأسير الفلسطيني هو جوهر حياته، باب المستشفى لا يفتح إلا للجثث، وكم كنت سعيدا ان الجثث الخارجة من المستشفى قد زادت في السنوات الأخيرة، الموت هنا يحدث بلا إزعاج، بلا وداع وبكاء ومشيعين.

انا سجان إسرائيلي اعمل في سجن مستشفى الرملة، أكثر ما يزعجني هذه الحالات المصابة بأمراض نفسية وعصبية، احضروها من مراكز التحقيق مصابة بصدمات نتيجة التعذيب، وبالرغم إننا كثفنا من إعطائها المسكنات والمهدئات لتظل نائمة مع أوجاعها إلا انها سرعان ما تستيقظ وتقذف ما بداخلها من أشباح مرعبة علينا، ونضطر إلى وضعها بزنازين انفرادية مغلقة، نتعامل معها كالبهائم، لا نريد ان نسمع أصواتها التي تطاردنا حتى في النوم.

انا سجان إسرائيلي اعمل في سجن مستشفى الرملة، انا حارس كل هؤلاء المصابين والمرضى، انا حارس الموت باسم دولة إسرائيل، انا حارس المصابين بالسرطان وأمراض القلب والرئة والظهر والكلى، انا حارس المعاقين والمشلولين ومن استؤصلت أو بترت أجزاء من أجسامهم، انا حارس المكفوفين والصم والمصابين بالصرع والهلوسة، انا من يراقب بدقة حركات الكبد والبنكرياس والطحال والأمعاء والكلى وخلايا المخ والغدد ودقات القلب ومواعيد الجلطات الدموية، انا من يراقب حركات الشظايا والرصاصات التي لا زالت في أجسامهم تتحرك من منطقة إلى منطقة، انا من يحرس فقدان الوعي والإغماء ونوبات الكريزا العصبية، انا حارس هذه المجزرة في دولة إسرائيل.

انا سجان إسرائيلي اعمل في مستشفى الرملة، أحاول خلال خدمتي وانضباطي ان امنع طائر الصدى ان يخرج من قبر القتيل أو من هامته، انها حكاية فلسطينية اسمعها باستمرار عن هذا الطائر المخلوق من إرادة، يخرج من جسد القتيل يطير ويطير صارخا وطالبا الثار إلى ان يتحقق، سأقتل طائر الصدى الذي يقول على لسان الأسرى المرضى: نعم نحن تحت الأرض، ولكننا لسنا مدفونين كالموتى، وانما نحن كما التقاوي النابتة التي تطرح محصولا ويقينا وعدلا سوف تنتشر في أرجاء فلسطين وفي نفوس كل أجيالنا تحت شمس الحرية والربيع.