مواجهة كبرى في المنطقة..!

بقلم: علاء الدين أبو زينة

تقف المنطقة اليوم على أبواب مجهول جديد مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج. ومع أن المراقبين يشيرون إلى جملة من العوامل التي تردع الجانبين عن المغامرة بالتصعيد إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة، فإنهم لا يستبعدون أن يفضي سوء حساب، أو ردّ انفعالي، أو اجتهاد قائد ميداني إلى إشعال الحريق. وكان التطور المهم الأخير هو الانتقال من الخطاب العدائي والعمل بالوكلاء إلى مواجهة المباشرة تقريباً، مع إسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة، وما قيل عن تراجع ترامب عن الضرب في اللحظة الأخيرة.


من الواضح أن كلا الطرفين يختبر صبر الآخر ويغامر بفعل أو رد فعل تصعب معرفة إلى أين سيفضي بالضبط، مراهناً في الغالب على تردد الآخر. وقد أثبتت التجربة لجميع الأطراف أن من السهل بدء حرب – لكن من شبه المستحيل التحكم بمساراتها ونهاياتها، والتنبؤ بأي تداعيات يمكن أن تجلبها على الإقليم والعالَم.

والعقود الأخيرة تغص بالأمثلة:
ما تزال أميركا متورطة في الحرب الأفغانية منذ ثمانية عشر عاماً ولا تعرف كيف تنهيها؛ وبينما انتهت حرب الثمانينيات بين العراق وإيران في الميدان، فإن تداعياتها ما تزال تؤثر بقوة في الإقليم، وكانت أساسية في تشكيل السلوك الإيراني الإقليمي وصعود التطرف العنيف والطائفية في المنطقة؛ ويمكن تعقب الكثير من الأحداث الراهنية إلى حرب صدام في الكويت، التي تتصل بحربه مع إيران؛ وهناك الحرب الليبية التي بدأت في 2011 ولا يستطيع إخمادها أحد؛ والحرب السورية التي بدأت في نفس العام وامتصت مختلف القوى الإقليمية والعالمية إلى دوامة الصراع؛ والحرب اليمنية التي بدأها التحالف العربي ولم تتوقف الخسائر التي تجلبها على الجميع – وتنتمي إليها الهجمات الأخيرة على ناقلات النفط في الخليج والأهداف في السعودية، كجزء من التصعيد الذي نتحدث عنه بين أميركا وإيران.


الروابط بين هذه الحروب غير خافية، وتحكي بطريقة ما قصة المجنون الذي يرمي حجراً في بئر يُعيي العقلاء إخراجه. لكن المرء قد يتساءل عما إذا كان المديرون الإمبرياليون الماكرون في الغرب مجانين حقاً أم أنهم يمسكون بخيوط الأشخاص والأحداث ويستفيدون من الحرائق.

هل ثمة احتمالات لانقطاع بعض الخيوط وفقدان التحكم في العرض –قدوم روسيا بقوة لتنافس أميركا على النفوذ في المنطقة، مثلاً؟ 
يرى بعض أهل المنطقة أنها ليست لنا مصلحة في نشوب حرب جديدة مجهولة النتائج في محيطنا النازف. وهناك آخرون قد يفكرون بالحرب كطريقة لإحداث خلخلة عميقة في الوضع الميؤوس منه، والسماح ببناء شيء جديد على أنقاضه. لكن هذا “الجديد” يظل خطراً وينطوي على كل النقائض.
مثلاً: قد تؤدي حرب إقليمية تشترك فيها إيران ووكلاؤها وأميركا وحلفاؤها إلى تغيير في الأنظمة المستقرة في المنطقة، في الدول العربية أو إيران نفسها.

وقد تنجر قوى عالمية إلى صراع كبير للدفاع عن مصالحها وحجز حصصها من كعكة الإقليم. ومع أن الكيان الصهيوني ظل داعياً متحمساً للحرب مع إيران، توقع البعض أن مثل هذه الحرب قد تزيله من الوجود أو تصيبه بأضرار هائلة على الأقل، في حال اتخذت الأحداث وجهات غير متوقعة وتعرض لضربات قوية ضد مفاصله الحيوية. بل إن البعض تحدثوا عن احتمال اندلاع حرب عالمية، أو استخدام أسلحة نووية تكتيكية -أو استراتيجية- يذهب ضحيتها الملايين.


يقدّر معلقون أن إيران بلغت درجة من الردع العسكري تجعل أعداءها مترددين في الاشتباك معها. ولكن، قد يتبين في المقابل أنها تبالغ في عرض قوتها، على طريق صدام حسين عندما وعَد العرب المتحمسين بأن بنات آوى ستأكل الجنود الأميركيين إذا غامروا بدخول العراق، فقط ليُحتل بلده في أيام. قد لا تغامر أميركا بالاشتباك على الأرض، وتكتفي بضربات جوية وصاروخية وينتهي الأمر بتدمير القدرات الإيرانية وخسارة بعض الأرواح الأميركية –أو حتى افتدائهم بمواطني الدول الحليفة.

وقد تفاجئ إيران الجميع بشيء غير متوقع.
 والأكيد الوحيد هو أن أحداً من أهل المنطقة لن يكون في منأى عن التداعيات التي يخلفها تصعيد رئيسي في المنطقة –ولو كان ذلك في شكل تعميق الأزمات الاقتصادية وتحليق أسعار الطاقة، وبالتالي تفاقم الاضطرابات الاجتماعية والسياسية ونزع الاستقرار. وفي المجمل، يصعب تصور أي نتيجة سوى المزيد من سوء الأوضاع السيئة أصلاً.

عن "الغد" الأردنية