القدس أولا

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

تتعرض القدس وأهلها الفلسطينيون لهجمة منهجية منظمة ومستمرة منذ إثنين وخمسين عاما، هدفها نزع فلسطينيتها، وتهويدها.

بدأ ذلك بإعلان ضم القدس لإسرائيل، ثم بهجمة ممنهجة شملت نشاطا استيطانيا مكثفا داخل حدود القدس وحولها، ونشاطا استعماريا تحول إلى معركة تدور من بيت لبيت، ومن متجر لمتجر، ومن حي لحي.

وتشمل الهجمة إلى جانب البناء الإستيطاني جهدا مكثفا لمنع الفلسطينيين من البناء ولهدم البيوت التي يقومون ببنائها.

وخلال عشر سنوات، كان عدد البيوت الفلسطينية التي هُدمت مساويا لمجموع البيوت التي بُنيت، وفي إطار هذه الحملة تفرض رسوم ترخيص عالية ومرهقة، ثم تضاف إليها رسوم سكن ( ما يسمى ب الأرنونا) يعجز أصحاب الدخل المحدود من أصحاب البيوت والمحلات عن الإلتزام بها.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن ما يفرض على الفلسطينيين من ضرائب وأسعار لا يقل بل يزيدعن ما يفرض على الإسرائيليين علما بأن دخل الإسرائيلي يزيد عن دخل الفلسطيني في المعدل بعشرين ضعفا، ومع ذلك يُعفي معظم اليهود الإسرائيليون من كثير الضرائب والرسوم، عبر المؤسسات، والسياسات، الاستيطانية.

ويمثل تطويق القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية سلاحا خطيرا، أدى ألى منع معظم سكان الضفة والقطاع من الوصول إليها، وحرمها من رئتها الإقتصادية الطبيعية والمتمثلة في عشرات البلدات والقرى في محيط القدس، وبيت لحم، والتي كانت القدس دوما مركزها الاقتصادي والتجاري الطبيعي.

وأصبح الوصول إلى مشافي القدس التي كانت المراكز الصحية الرئيسية للضفة بكاملها، مشروطا بالحصول على تصاريح إسرائيلية ، مما أدى إلى إضعافها والإسهام في عزلها.

وتعرضت شركة الكهرباء القدس إلى مؤامرة عملت تدريجيا على حرمانها من حق توليد الكهرباء، ثم إجبارها على عدم تقديم خدماتها للمستوطنات تحت طائلة فقدان ترخيصها، مما حولها في نهاية المطاف من شركة منتجة إلى مجرد موزع للطاقة الكهربائية التي تتحكم إسرائيل بإنتاجها.

وهذه مجرد أمثلة لعملية تنكيل إقتصادي منهجية ومخططة مارستها سلطات الاحتلال.

يضاف الى كل ذلك ما تتعرض له الحركة الوطنية، والمؤسسات المدنية الفلسطينية من قمع وتنكيل وإرهاب، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية، وإغلاق المقرات، والمراكز، والمؤسسات ومنع أنشطتها، والبطش بحياة الناس على يد جنود الإحتلال ومستعربيهم، كما جرى للمواطن المسن موسى أبو ميالة من مخيم شعفاط ، الذي قُتل بدم بارد.

وتتعرض بلدات كسلوان، والعيسوية، والمكبر،وصور باهر، لهجمات تستهدف هدم وتهويد أحياء بكاملها.

لكن أخطر الأمور هو ما يتعرض له المقدسيون من ضغط لا إنساني لطردهم من مدينتهم وسحب هوياتهم، وذلك أمر خطير خططت له المؤسسات الصهيونية منذ عام 1967، عندما اعتبرت أهل القدس وأصحابها المقيمين فيها من مئات، وبعضهم من آلاف، السنينين، مجرد مقيمين طارئين لهم حق الإقامة المؤقتة فقط، بعد أن انتزع منهم حقهم في المواطنة في مدينتهم.

ويتعرض كل مقدسي ومقدسية لضعط نفسي، ومالي، واقتصادي واجتماعي هائل لإثبات إقامته في القدس حتى لا يفقد هويته، وحقوقه الاجتماعية والصحية، التي يدفع ثمنها من الضرائب الباهظة التي تجبى منه. و تعيش عائلات بكاملها مشتتة بسبب رفض منح حق الاقامة في القدس للأزواج و الأبناء الذين يحملون هوية الضفة الغربية.

أما المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، وباقي المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية، فتتعرض لهجمات تنكيل واقتحامات لا تتوقف، ولا يخفي المستعمرون نواياهم بتغيير واقعها، وملامحها، بهدف تهويدها.

وتمثل بلدية القدس مرتعا للتطرف وابتكار أساليب التمييز العنصري في الخدمات والبنية التحتية ضد الأحياء الفلسطينية.

ولا تخفي المؤسسات الإسرائيلية الحاكمة مقاصدها، اذ تعلن كل يوم مخططاتها للتهويد، ولتحقيق أغلبية يهودية ساحقة في المدينة، وتنفيذ التطهير العرقي التدريجي للفلسطينيين.

أهل القدس، يعرفون كل ما كتبته، ولكنني أكتبه كي يعرفه كل الفلسطينيين، وكل العرب، وخاصة من يتورط اليوم منهم فيما يسمى " بصفقة القرن" ،و"مؤتمر المنامة"، ومحاولات المس بالحقوق الفلسطينية.

واكتبه على أمل أن يقرأه المسؤولون الفلسطينيون والسياسيون، والذين آمل أن يدركوا أن الدفاع عن القدس، وعروبتها، وفلسطينيتها، ليس مجرد شعار يتكرر، بل يتطلب خطة استراتجية متكاملة وموحدة، يتعاون فيها الجميع بغض النظر عن اختلافاتهم الفكرية، والسياسية، والإجتماعية.

أهل القدس بحاجة إلى خطة دعم وإسناد إقتصادية وإجتماعية وسياسية، وإلى هيئات يُمثلون فيها، وتُمثل مصالحهم، واحتياجاتهم في قراراتها وعملها. خطة تقدم للمقدسيين المهددين أجوبة ملموسة على الضغوطات التي يتعرضون لها، ووسائل دعم وإسناد تعزز صمودهم بالفعل قبل الكلام .

ولا يمكن مواجهة إستراتيجية الضم والتهويد والاستيطان الإسرائيلية إلا بإستراتيجية مضادة، تنتزع زمام المبادرة، والتخطيط، والفعل.

القدس كانت دوما وما زالت قلب فلسطين وبوابة مستقبلها، وإنقاذ القدس هو المدخل لإنقاذ فلسطين.