مسلسل "جن".. والجدل في العالم العربي

وطن مقدادي:

شكل مسلسل "جن" جدلاً واسعاً في العالم العربي في الآونة الأخيرة، وجاء ذلك بعد عرضه في تاريخ 13 حزيران/ يونيو 2019 من قبل شبكة "نت فليكس" الأمريكية. هذا أن المسلسل يُعد الأول من نوعه عربياً الذي يتم إنتاجه من قبل الشبكة، التي اشتهرت بإنتاجها الأفلام والمسلسلات والأغاني عالمياً منذ العام 2013، ليس لهذا فقط، وإنما لأن المسلسل يتناول موضوعاً يلفت انتباه العالم العربي لارتباطه بمعتقدات دينية وموروثات من الحكايات الشعبية والأساطير.

لعبت شبكة "نت فليكس" بذكاء على إنتاج عمل يدمج ما بين الثقافتين العربية والغربية، من خلال تقديم أبطال (خارقين) عرب بطابع حياة غربي، قادرين على مواجهة مخلوقات ذات قدرة على الظهور والاختفاء فجأة، كما تمتلك القدرة على القتل والإيذاء، مرتكزين في ذلك إلى نمط المسلسلات والأفلام الغربية التي تقدم بالعادة مخلوقات خارقة للطبيعة يقوم بمواجهتها أشخاص عاديون مثل Buffy the vampire slayer او The Originals ، وفتحت بوابات الغيب إلى عالم الواقع بكلمة من أبطال الفيلم، فكل ما عليك فعله لفتح بوابات العالمين هو الإنصات والاستجابة للنداء، ومن ثم مواجهة خوفك بالتصديق والمتابعة، ليس ذلك فحسب، وإنما قاربت بين العالمين بطرح مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة".

تمكن مخرجا العمل اللبناني مير جان بوشعيا والأردني أمين مطالقة من مواءمة هذا الإنتاج الضخم مع مكان تاريخي عريق، مثل البتراء، لإعطاء قصة المسلسل طابعاً من الغموض، مستندين في ذلك إلى الأساطير التي تقول "إن الجن يبنون بيوتهم بالصخر، وإنهم هم من ساعدوا سكان البتراء القدامى على إتمام هذا الصرح العظيم"، ليس ذلك فحسب، وإنما اختاروا موقعاً في البتراء ليكون هو محور الأحداث كلها منذ البداية حتى النهاية، ألا وهو كهف الجمجمة، وابتعدوا تماماً عن أجواء الأردن الشعبية مثل الأسواق والمقاهي والشوارع العامة، واختاروا مدرسة ذات طابع أمريكي بطلبة بعمر المراهقة ليكونوا أبطالاً (خارقين) بعيداً عن المدرسين، عدا مرشدة اجتماعية واحدة بعمر الشباب أيضاً، ترافقهم في معظم مشاهد المسلسل من دون أن توجه إليهم أي نوع من الإرشاد النفسي المرتكز إلى العلم أو حتى الدين أو المجتمع، بل إنها تنساق معهم بعد تتالي الأحداث إلى تصديق روايتهم والبحث لإثباتها لا نفيها.

ومن الأشياء التي تُحسب لصالح العمل النجاح الذي حققه في نقل واقع الشباب العربي ونمط الحياة التي تعيشها فئة كبيرة منه، من ناحية الميل إلى أُسلوب الحياة الغربي، سواء من ناحية الشكل أو نوع الموسيقى التي يفضلها، ونوع التجمعات التي تجذبه، مبتعداً بذلك عن كل القيم المجتمعية والدينية والقيود التي تفرضها المدرسة أو الشارع أو الأهل، وتم تقديم كل ذلك من خلال الحوار المختصر جداً بين الشخصيات بلغة عامية تخللتها بعض الشتائم النابية، ما سبّب هجوماً جماهيرياً على العمل وأبطاله أيضاً.

ولا بد هنا من لفت النظر إلى أن المسلسل أنتجته شركة أمريكية بأُسلوبٍ غربي، وأن هذا ما يحدث فعلاً في الجلسات المغلقة وفي الحوارات عند بعض فئات المراهقين، وأُوافق وجهة النظر بأن بعض الشتائم كان يمكن تجنبها لئلا تستفز المشاهد، إضافةً إلى أن بعض المشاهد كانت خادشة للحياء العام. وإنْ بحثنا في مدى أهميتها لإثراء المسلسل والحبكة الدرامية، فهي لم تكن ضرورية ولم تضف شيئاً.

ومع ذلك، فإن المتابع لشبكة "نت فلكس" يعلم تماماً أنها لجأت إلى استخدام مثل هذه المشاهد لجلب أكبر عدد من الانتقادات في العالم العربي، ولجذب أكبر عدد من المتابعين والمشاهدين، حتى إنْ كان ذلك لغرض إرضاء الفضول، فهي أولاً وأخيراً شبكة للإنتاج الفني على المستوى العالمي، وستقوم ببث الفيلم بتسع وعشرين لغة وفي مئة وتسعين دولة عبر الإنترنت.