فلسطين... معركتان!

بقلم: الدكتور ناجى صادق شراب*

يواجه الفلسطينيون معركتان حاسمتان لا يمكن فصل إحداهما عن ألأخرى، معركة إنهاء الاحتلال منذ 1967، ومعركة المصالحة بعد ان تجاوز عمر زالانقسام إثني عشر عاما، وهى فترة زمنية ليست قصيرة وتداعياتها خطيرة.

هاتان المعركتان انعكستا على خياري المفاوضات والمقاومة. فلا شك أن معركة المصالحة ساهمت في تعثر كل من خيارى المفاوضات والمقاومة، وعليه لا يمكن تصور نجاح الفلسطينيين في إنهاء او كسب معركة الاحتلال بدون المصالحة ، ولا يمكن تصور نجاح المعركة السياسية معركة، إنهاء الإحتلال وهي الأشرس في تاريخ فلسطين، دون المصالحة .

ولو أردنا أن نلخص الانقسام في كلمات لقلنا أنه يعني إجهاضا لكل الخيارات الفلسطينية ، وتفريغا لعناصر القوة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال. فالفشل في معركة المصالحة يديم معركة الاحتلال، ويعمق من جذوره. ولو قارنا ما نفذته إسرائيل من سياسات إستيطانية وتهويدية للآراضى الفلسطينية، وقتل فكرة حل الدولتين لرأينا أن ذلك ارتبط بسنوات الانقسام.

إنهاء الاحتلال يحتاج إلى موقف سياسي فلسطيني موحد وقوي وفاعل وتوافق على الترابط بين خياري المفاوضات والمقاومة. والمفارقة بين هذين الخيارين أنهما يعتمدان على القوة، والقوة غائبه مع إستمرار الإنقسام. والنتيجة الحتمية لاستمرار الانقسام هي تثبيت الاحتلال، بل شرعنته، وتحوله لحقيقة سياسية، وتقوية موقف إسرائيل من عمليات الضم.

وما ينبغي التركيز عليه هنا أن عين إسرائيل اليوم على الضفة الغربية وليس على غزة كما يعتقد البعض، وقد تحولت غزة لوظيفة سياسيه لما تريد إسرائيل تحقيقه في الضفة الغربية. فإسرائيل لا تخشى من قيام دولة فلسطينية في غزة بل قد لا تعارض ذلك، لأنها بكل المقاييس ستكون دولة تابعة هشة وفاشلة، ويمكن التحكم فيها من كل منافذها ، ناهيك أنها ستكون ذات مساحة صغيرة تصل لحوالي واحد في المائة من مساحة فلسطين، ناهيك عن انها من الناحية الجيوسياسية لا تؤثر على شكل الخارطة السياسية التي تسعى إسرائيل لتثبيتها بوقوعها في هامش الخارطة السياسية لفلسطين، بل إن اقتطاعها قد يساعد على اكتمال الخارطة التى تريدها إسرائيل.

اما الضفة الغربية وهي أرض المعركة الحقيقية فمساحتها تقارب العشرين في المائة من من مساحة فلسطين الكلية ، وتقع في قلبها، فهى من منظور جيوسياسى منطقي القلب الأول أمنيا، وتشكل عمق إسرائيل اليوم، ولذلك تسعى إسرائيل بكل قوة للحيلولة دون قيام دولة فيها، وأقصى ما يمكن ان تسمح به هو توسيع دائرة الحقوق الاقتصادية والمعيشية لسكانها، وإذا ما أضطرت للقبول بدولة فيها فستكون أقل من عشرة بالمائه بإقتطاع المنطقة سي ، وتجريدها من كل مقوماتها ألأمنية والسيادية. فوظيفة الأمن والحدود تبقى بيد إسرائيل، وهذا هو مفهوم فلسطين الجديده في صفقة القرن.

ولتحقيق هذه الغاية والهدف الإستراتيجي يأتي دور غزه، ودور الانقسام، فإسرائيل لا تستطيع تحقيق هدفها بالحيلولة دون قيام دولة فلسطينية قوية قابلة للحياة دون تعميق الإنقسام وتحوله لحقيقة وكينونة سياسية قائمة بذاتها، وهذا أيضا أحد أهداف صفقة القرن بتقوية غزة إقتصاديا وألإستثمار في بنيتها التحتيه.

هنا تصبح معركة المصالحة أكثر إلحاحا من معركة إنهاء الاحتلال، لأنه بدون المصالحة قد تعلن إسرائيل عن إنهاء احتلالها ألأحادى للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بالإعلان الرسمي والمدعوم أمريكيا من إدارة الرئيس ترامب بضم كل المستوطنات، وبضم الضفة الغربية، ومن ثم تعلن إنهاء احتلالها، وهذا السيناريو سيكون ألأخطر وألأكثر كارثية ، تاركة الفلسطينيين في اقل من عشرة بالمائة من مساحة الدولة الفلسطينية، وتاركة لهم البحث عن خياراتهم ألإقليمية مع ألأردن من خلال إحياء مشاريع الكونفدرالية.

هذا هو الخيار المتوقع في الفترة المتبقية لحكم الرئيس ترامب قبل الدخول في الانتخابات الرئاسية الجديدة، إسرائيل تريد ان تستغل حالة الانقسام السياسي والضعف الفلسطيني إلى أقصى درجة بتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وتوقعا لمرحلة ما بعد الرئيس عباس، ولا شك أن الفشل في معركة المصالحة يسهل عليها ذلك.

ومما قد يدعم هذا التصور أن ألأولويات الفلسطينية في غزة باتت تتركز حول الوصل إلى هدنة لفترة زمنية محددة إنتظارا لما قد تسفر عنه الفترة القادمة من تحولات سياسية على مستقبل القضية الفلسطينة.

ان ما ينبغي أن ندركه ويدركه قادة الحركتين في فتح وحماس ان معركة المصالحة تأتي في مرحلة التصفية والتفكيك للقضية الفلسطينية وأن الانقسام هو المرحلة الدافعة والفاتحة لكل المراحل الأخرى ، فبالانقسام يمكن أن تتخلص إسرائيل من القضية الفلسطينية وتفرض حلولها ألأمنية، وليس مستبعدا أن يكون هذا أيضا أحد أهداف صفقة القرن، وليس مفاجئا البدء بالشق الإقتصادي ألإستثماري الذي يغذي ألإنقسام، وتأجيل الشق السياسي. والمقصود بالتأجيل إتاحة الفرصة أمام إسرائيل لتنفيذ الصفقة سياسيا على ارض الواقع، وبعدها يمكن بسهولة ألإعلان وألإفصاح عن الشق السياسي للصفقة، وفي هذه الرؤية تكمن خطورة معركة المصالحة وضرورة التسريع في إنجازها، وإلا يعتبر هذا نافيا للحق الوطنى الفلسطيني، ومساهما في ضياعه، وليسجل التاريخ ذلك.

* استاذ علوم سياسية - غزة