الحجاب... عادة أم عبادة؟

نائب المفتي: لا إكراه في الدين

تسنيم: ارتديته عن قناعة وأحببتُ مظهري فيه

محجبة عشرينية: ارتديته مرغمة ولا أملك حق الاختيار!

حقوقيون: يجب تشريع قوانين تحمي حق المرأة في الاختيار

رام الله- "القدس"دوت كوم - إسلام كمال - يكاد الحجاب يغلب على السواد الأعظم من الفتيات في جميع محافظات الوطن، حتى أنه صار إلزامياً في بعض المؤسسات الرسمية في القطاع، فهل هذه الإلزامية مجرد بدعة أم تستند إلى جذورٍ في أُصول الدين ؟ وهل الحجاب فعلٌ ذاتيٌّ أم بفعل ضغطٍ خارجيّ؟ وهل هو عادة أم عبادة؟ وهل تملك المرأة حق الاختيار من دون عنفٍ أُسريٍّ أو تقريعٍ مجتمعيّ؟ 

الحجاب عبادة

ترى تسنيم حسن أن الحجاب عبادة، وإن كان انعكاساً للبيئة التي تعيش فيها الفتاة، فقد ارتدت تسنيم الحجاب وهي في الثانية عشرة اقتداءً بوالدتها التي رأت فيه إضافةً جميلةً لمظهرها. وتقول تسنيم: "أنا مرتاحة للحجاب، حتى لو توصّل العلماء إلى عدم وجوب الحجاب في الإسلام، فأنا سأبقى عليه".

وتضيف: "لا بد من أن يكون ارتداء الحجاب عن قناعة، فالحجاب في الغالب بات عادة أكثر منه عبادة، وإنني أرى بأفضيلة خلع الحجاب لغير المقتنعات بارتدائه، لأن ارتداءه عن قناعة سيكون متكاملًا مع تصرفات الفتاة ومنسجماً مع أفكارها. أما إذا كان عادة، كما يحدث هذه الأيام، فستشعر الفتاة بعدم الثقة".

عادة... ولكن!

وترى كلٌّ من: (م. ل ) و(م .ش) أن الحجاب عادة مجتمعية بحتة، لا علاقة لها بالدين، وإنما للهروب من أحكام المجتمع المطلقة على غير المحجبة.

وبالنظر إلى عدم قناعة الشابتين بصحة الرؤية المجتمعية، ولعدم توفُّر القناعة الدينية بارتدائه فإنهن يرغبن بخلعه، إذ إنه لا يشبه أفكارهم الحقيقية في شيء، بيد أن استمرار ارتدائهن الحجاب يُمليه التهديد المجتمعي لهن، ويعلمن مسبقاً، ومن دون طرح الفكرة لذويهن، أن الرد سيكون قاطعاً وعنيفاً.

وتقول (م.ل ) لـ"القدس": "لقد رفضوا لي حقوقاً أبسط من هذا الحق بكثير، فكيف لي أن أجعله قابلاً للطرح؟".

الحق المفقود في الاختيار

تقول (ب.ح) لـ"القدس": "لقد تجاوز عمري ٢٧ عاماً، وأصبحت مُعيدةً في أكثر من جامعة فلسطينية، وحتى الآن لا أملك حق الاختيار في حياتي الشخصية".

وتضيف: "عندما قررتُ خلع الحجاب بشكل نهائيّ، تعرضت للتهديد من والدي بإهانتي على الملأ في مكان عملي إن أنا بقيت مُصرةً على خطوتي".

نجحن في التجربة!

بالرغم من صعوبة الإقدام على هذا الخيار، فإن هناك فتيات نجحن بالدفاع عن حقهن فيه، متجاوزاتٍ العقبات والصعوبات الكثيرة التي واجهتهن.

تقول ريما طه لـ"القدس": "ارتديت الحجاب في سنٍّ مبكرة، لأن أغلبية زميلاتي في المدرسة كنّ يرتدينه، وقد عارضت أمي خياري في ذلك الوقت، كوني صغيرة على هذه الخطوة، وحين كبرت وتزوجت وسافر زوجي إلى أمريكا مدة سنة ونصف، تحملت مسؤولية البيت والأولاد وحدي من دون مساعدةٍ من أحد، حينها بدأت أُعيد التفكير في حياتي، وأُعيد ترتيب أولوياتي، ورأيت أنني "ذكر" في كل شيء وفي كل المسؤوليات، فلماذا أرتدي الحجاب من أجل هذا المجتمع؟

وتضيف طه: "لقد واجهت صعوبات عديدة بادئ الأمر، حيث قاطعتني والدتي مدة شهرين، وهددتني بالتبرؤ مني، والدتي هي ذاتها التي كانت رافضةً لقراري ارتداء الحجاب. لقد كان خياري في الحالتين مرفوضاً، لكن في نهاية الأمر تم تقبُّل قراري من عائلتي ومن المجتمع".

أما بيسان الجعبة، فارتدت الحجاب في سنواتها الأخيرة في الجامعة، وكان ذلك تحت ضغطٍ مجتمعيّ، حيث كانت عائلتها لا تُمانع حقها في الاختيار، إلا أنّ ضغط الناس من حولها جعلها تستسلم لرأي المجتمع بداية الأمر، إلا أن عدم قدرتها على الالتزام بالحجاب من أجل الناس، وشعورها بأن دورها في المجتمع والحياة أهم من هذه الشكليات، قاداها إلى أن تعود إلى قناعاتها، وتواجه مَن حولها بحقها في الاختيار.

حقوقيون: الحجاب مسألة اختيارية

يرى حقوقيون أن الحجاب لا بد من أن يكون مسألةً اختيارية، ولا بد من تقليل الضغط المجتمعي الواقع على المرأة في حال تناقض خيارها مع رؤية المجتمع.

وتؤكد رندة سنيورة، مديرة مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، في حديث لـ "القدس" أن الحجاب مسألة اختيارية، داعيةً الفتيات إلى الدفاع عن حقهن بالاختيار، إذ توضح أنّ هناك إجراءاتٍ قانونيةً حاسمةً في حال تعرضت الفتيات إلى عنفٍ من قبل أُسَرهن أيّاً كان السبب، فالمرأة "تستطيع التقدم بالشكوى في حال تعرضها للعنف من أُسرتها إلى وحدة الأُسرة في الشرطة الفلسطينية، والتوجه إلى المراكز الحقوقية النسوية التي تستطيع مساعدتها وإرشادها في تلك الحالة".

من جهته، يوضح المفوض العام السابق للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان د. أحمد حرب في حديث لـ "القدس" أن القوانين الفلسطينية يلزمها الكثير من التحرك والتعديل في ما يخص المرأة قائلاً: "لا توجد لدينا قوانين خاصة بالمرأة الفلسطينية في هذه المسائل، إلا أنه يجب التعامل مع المرأة كإنسانٍ له حقوقه في العدل والمساواة وحق الاختيار".

ويضيف: "لا بد من إيجاد مؤسسات تحمي المرأة في مثل هذه القضايا الحساسة، وتحمي حقها في الحياة والاختيار، وتَحُول دون تعرضها للعنف، إلا أن القانون والقضاء ما زالا متورطَين في الأحكام والثقافة المجتمعية، ومبنيَّين على أساسهما".

ويصف حرب: "منذ زمنٍ طويلٍ حتى الآن ما زلنا نقاتل لإزالة العذر عن مرتكبي جرائم "الشرف". أما فيما يتعلق بالعنف بحق المرأة، فلا يوجد شيء في العالم اسمه جريمة "شرف"، الجريمة هي الجريمة، ولا بد من معاقبة الجاني.

الحجاب والكاب!

تحت وطأة التضييق على بعض الفتيات إزاء مسألة ارتداء الحجاب، لجأ بعضهن إلى استبداله بـ"الكاب" أو بالقبعة الشتوية واللفحة، إذ يعتقدن أنهن بهذه الطريقة يدرأن عن أنفسهن انتقادات الأهل والمجتمع.

ويرى حقوقيون أن هذا الشكل الذي لا تنطبق عليه مواصفات الحجاب هو إحدى نتائج ثقل الموروث الاجتماعي.

وكيل دار الإفتاء: الدين الإسلامي ضد العنف حتى لو لِجلبِ صفاتٍ حسنة

يوضح وكيل دار الإفتاء ونائب المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية الشيخ إبراهيم عوض الله لـ"القدس " أن "الحجاب فرض من الله سبحانه وتعالى على المسلمات، والأصل أن يكون عبادةً وانصياعاً لأمر الله، لكن إن خرج مفهوم الحجاب عن ذلك لمسايرة المجتمع، وحياءً من الناس، يصير عادة".

أما عن خيار المرأة في مسألة الحجاب في الدين الإسلامي، فيقول عوض الله: "لا إكراه في الدين، ولا بد من الإقناع بالحسنى والمتابعة المتأنية، مع الرفض التام لأيّ عنفٍ أو تهديدٍ تتعرض له المرأة في هذه المسألة"، موضحاً أنه "ليس هناك مبرر بالدين يغطي هذه التصرفات".

ويشدد عوض الله على أنّ "الإسلام لا يتفق مع أيّ عنفٍ حتى لو كان لكسب صفاتٍ حسنة".

انقلابٌ على الماضي

عرضت الجزيرة في الآونة الأخيرة فيلماً وثائقياً "في سبع سنين" حول تغيُّرات الشباب المصري من الإيمان إلى الكفر خلال السنوات السبع الماضية، فكانت هناك الفتاة "سُنّة" التي ارتدت النقاب منذ عمر 16 عاماً، كانت في البداية مقتنعةً أن النقاب شكلٌ من أشكال الحماية، فارتدته.

وبعد تسلم مرسي الرئاسة، صار هناك تشتتٌ في أفكارها حول الإسلام والإسلاميين، وذات يوم كانت في القطار، وهي ما زالت مُنقبة، وقام شباب بمعاكستها، واتهامها بأنها إخوان، ثم قاموا بإيذائها والاعتداء عليها وخلع نقابها غصباً، وعند ذلك قررت خلع النقاب حتى لا يشك بها أحد، ولا يتعرض لها أحد بحجة انتمائها السياسي، وهنا اكتشفت أن سر لباسها ذلك لم يكن في الحقيقة عبادة، فهي ارتدت الحجاب لتحمي نفسها.

وتقول سنة في الفيلم إنها لا تريد أن تعبد الله من أجل الخوف، ولا تريد أن ترى الله في صورة زوجها الذي كان يُخيفها لتمتثل لأوامره، إنها لا تريد أن تكون خائفة، إنها تريد أن تكون مطمئنة.

إسراء، المحجبة من 11 سنة لم تكن تعلم فعلاً لماذا ترتدي الحجاب، إنما كان شكلاً من أشكال التقليد، ومباركة الناس جعلتها تشعر بالإيجابية تجاه الأمر.

شاركت إسراء في ثورة يناير 2011، وخلال أحداث تلك الثورة وجدت في عداء الجماعات الإسلامية لنقيضهم من شباب الثورة بذرةً لشكها في الوجه الحقيقي لذلك التنظيم السياسي، وتعرفت على اليسار، الذي وجدت فيه الصدق أكثر، وكانت في ذلك الوقت لا تزال محجبة، ولكن ذات يوم وفي خطاب لها عن الحرية بعد انتمائها لليسار، شعرت أنها لم تختر شكلها ولا مظهرها ولا فكرها منذ الصغر، ولذلك فقد اختارت أن لا ترتدي الحجاب حتى وإن كان فرضاً.

إسراء كانت سعيدة بخيارها ذلك، وشعرت أنه الأمر الوحيد الذي استطاعت اختياره في حياتها.