لقاء في نابلس يناقش "ذاكرة المغلوبين" للكاتب فيصل دراج

نابلس- "القدس" دوت كوم- عماد سعاده- نظمت اللجنة الثقافية في دار الفاروق للثقافة والنشر لقاء، تم خلاله مناقشة كتاب "ذاكرة المغلوبين، الهزيمة والصهيونية" للناقد الفلسطيني فيصل دراج.

وافتتح اللقاء الروائي محمد عبد الله البيتاوي، معطيًا لمحة مختصرة عن المؤلف دراج، مشيرا الى انه ولد في بلدة الجاعونة عام 1943، وحصل على درجة البكالوريس في الفلسفة من جامعة دمشق وعلى الدكتوراة في الفلسفة من فرنسا، وله العديد من المؤلفات، من الدراسات الأدبية والنقدية والفكرية، ومن أكثرها شهرة كتاب "غربال" وكتاب "هكذا تكلم محمود درويش" ، اضافة الى العديد من الروايات. كما قدم دراسة عميقة عن عبد الرحمن منيف في كتاب بعنوان "عبد الرحمن منيف ورواية الالتزام".

واشار الى ان كتاب "ذاكرة المغلوبين" كانت أعادت إصداره وزارة الثقافة الفلسطينية مرتين في الأعوام 2017 و2019 بعد أن كان قد صدر في العام 2000 عن المركز الثقافي العربي في المغرب، لما له من أهمية في إثراء الفكر العربي المعاصر، ولما يقدمه من وجهات نظر حول الخطاب الثقافي الفلسطيني.

بدورها، عرفت الكاتبة فاطمة عبد الله الذاكرة على أنها قدرة النفس على الاحتفاظ بالتجارب السابقة واستعادتها، أية ذاكرة هنا ؟ وأية تجارب؟! إنها تجارب الهزيمة والقهر والغلب، إنها الذاكرة الفلسطينية، المحملة بالتشرد والقتل والدم والإرهاب الصهيوني، وبين كون هذه الذاكرة وما فيها من نعيم مضى وهزيمة حلت، يعتبر البعض هذه الذاكرة رحمًا دافئًا، وبعضهم يعتبرها غبارا لا يمكن الاتكاء عليه.

واضافت ان الدكتور درّاج يتناول في كتابه (ذاكرة المغلوبين) خطاب تسعة من الأدباء والمفكرين الفلسطينيين. حيث أكد أن الذاكرة هي ذاكرة جماعية بأقلام فردية وتضمن الكتاب قراءات منفردة لكل ذاكرة على حدة، نكاد في كل قراءة أن نمسك بواقع حالنا، رغم ما مضى من وقت على رحيل هؤلاء المفكرين والأدباء، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن المثقف الفلسطيني لا زال مضطرب الوعي ولا زال يتخبط بين الحقيقة والوهم وبين المعرفة والجهل، وبين تسارع الأحداث وتغير الأدوار والمفاهيم.

واوضحت انه في القسم الأول من الكتاب حيث الخطاب الأدبي، والأديب الفلسطيني الأول "جبرا إبراهيم جبرا" الفلسطيني الذي لا يهزم في الثقافة الرسوليّة، والذي بقي طيلة حياته يرى الثقافة دربًا إلى فلسطين. لقد كان جبرا متفائلاً بالعمل الوطني الفلسطيني وهذا مبعثه الإيمان العميق بانتصار الفلسطيني. إن الشعب والانتماء لفلسطين لدى جبرا ألح عليه أن يصوغ فلسطينيًا متخيلاً ضمان انتصاره في داخله ولا يحتاج إلى الخارج. ضمان الانتصار ديني في جوهره يلازم المضطهد ولا يحسن السير من دونه.

الشخصية الثانية التي تحدث عنها كتاب ذاكرة المغلوبين هو (غسان كنفاني) الفلسطيني المقاتل وفتنة المنتصر، صاحب النص المهزوم الحائر وكأن الفلسطيني الذي فقد الأرض والأمان، عليه أن يعثر على ما يشرح به هزيمته وعلى ما يعده بالنصر القريب، لقد مضى غسان كنفاني قلقًا يستولد انتصار القضية الفلسطينية من عدالتها. لقد سعى غسان في كتاباته المتواترة إلى هدف قلق يحتضن الذاكرة والهوية في آن، فيصل إلى شيء من العلاقتين ولا يصل إلى شيء تمامًا، فإذا كانت ذاكرة المهزوم شرطًا للهوية يتكئ لها، فإن تحقيق الهوية يحتاج إلى أكثر من الذاكرة وهذا عكس ما جاء به جبرا حيث اعتبر جبرا الذاكرة هي الرحم الدافئ.

من ناحيته، قال همام الطوباسي أن الكاتب قد ركز على الثقافة العربية التي وقفت في وجه الماكنة الإعلامية الإسرائيلية، والتي تحاول أن تستحوذ على التراث الثقافي الفلسطيني، من هنا أصبح الإنجاز الثقافي والأدبي الفلسطيني يأخذ مكانته ودوره في الصراع، معبا عن اعتقاده ان المؤلف دراج قدم ما هو جديد في هذا الكتاب، فطريقة دخوله للروايات وللأدباء تعتبر استثنائية ومتميزة، ويمكن أن يستفيد منها حتى الدارس الجامعي.

وقال الشاعر عمار خليل انه عند قراءة الكتب النقدية، على القارئ أن يُحلِّق في سماء النص بجناحين، الأول: هو ذلك المخزون الثقافي والاطلاع التراكمي في ذاكرته الشخصية، والثاني: هو ذاكرة الكاتب والتي اعتصرها من سنين عمره ورؤيته الشخصية وفكره وقناعاته وتجربته الذاتية. هذا العنوان الكثير عددًا والكبير دلالةً والعميق ألمًا، نقف أمامه لنستحضر قرنًا من الزمن، هذا القرن المجبول بكثير من الخيبات والهزائم والسقطات المدوية وغير المدوية، لكن الهزيمة كما النصر يجب تدوينها وكتابتها على جدران التجربة وعلى أجسادنا حتى تكون للأجيال درسًا وعظة ودلالة. واضاف ان المشهد الثقافي في هذا الكتاب جمع تسعة أسماء (جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني، إميل حبيبي، معين بسيسو، إسحاق موسى الحسيني، محمد عزة دروزة، خليل السكاكيني، نجيب نصار وروحي الخالدي) وهنا أخجل أن أقول أن هناك من هذه الأسماء ما لم أسمع به من قبل، وهذا دليل عملي على الهزيمة الثقافية لدينا نحن كمثقفين بداية، وكشعب لا يعرف موروثه ولا تاريخه القريب بل القريب جدًا.

لقد منح الكاتب لكل اسم من هؤلاء هالةً ودلالةً تلخِّص مسيرته الثقافية والأدبية والوطنية، إذ جمعهم كلهم في أيقونة الوطن وذاكرته،

من ناحيته، تساءل سامي مروح، لماذا ذاكرة المغلوبين وليس المنتصرين؟، مجيبا "اتضح لي أن الكاتب أراد إيصال فكرة أن هناك مفكرين وأدباء فلسطينيين لهم حضورهم ودورهم في الصراع وفي رفع مكانة الفكر والمعرفة، لهذا هو يتناول أبطال جبرا إبراهيم جبرا على أنهم شخصيات كاملة وقوية وفاعلة ومؤثرة، فكانت أقرب إلى الـ (سوبر مان)، وعندما تحدث عن نجيب نصار وخليل السكاكيني وروحي الخالدي ومحمد عزت دروزة أراد أن يؤكد على دور المفكرين الفلسطينيين ليس في الساحة الفلسطينية فحسب، بل في الساحة العربية أيضًا، فرغم قلة الإمكانيات ووجود الاحتلال الإنجليزي والهجرة الصهيونية، كان هؤلاء المفكرين والمبدعين يكتبوا ويقدموا أفكارهم للمجتمع.

واضاف أعتقد أن طريقة طرحه للفلسطيني المغلوب على أمره عند غسان كنفاني، والفلسطيني "السوبر مان" عند جبرا تستحق أن نتوقف عندها لما فيها من أفكار وطرح جديد، والناقد لم يهمل الاحتلال ودوره في المجازر التي اقترفها بحق الفلسطينيين، من هنا نقول أننا أمام كتاب جديد وفريد في طرحه للمسألة الفلسطينية.