وداعا لتوأم الروح ورفيق الزنزانة

بقلم :د. سامي العريان*

أشعر بفراغ كبير في قلبي منذ ذلك اليوم، الخامس والعشرين من أيار/مايو الماضي، اليوم الذي فقدت فيه صديقي العزيز وأخي ورفيق زنزانتي سميح حمودة.

كنت أنا وسميح معاً في السجن ذاته في ولاية فلوريدا لأكثر من ثلاث سنوات ابتداء من عام 2003، عندما سعت الحكومة الأمريكية لإرسالنا إلى غياهب السجن حتى نهاية حياتنا. كنا قبل ذلك أصدقاء وزملاء لأكثر من عشر سنوات مما عزز من رابطتنا الأخوية ونضالنا المشترك.

عندما تعيش مع أي من الناس في مكان صغير لا يتجاوز 70 قدماً مربعاً مدة 24 ساعة في اليوم ولسنوات، فإن هذا الانسان يصبح جزءًا منك، محفوراً في ذاكرتك مدى الحياة، أخاً وروحاً لصيقة.

كنت قد قابلت سميح لأول مرة عام 1992 عندما دعوته ليتحدث في مؤتمر نظمته حول فلسطين خلال الانتفاضة الأولى، ولقد كان بالفعل باحثاً بارعاً حاصلاً على شهادة العلوم السياسية من جامعة بيرزيت، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة لإكمال دراساته العليا في جامعة جنوب فلوريدا حيث كنت أعمل في التدريس.

ولقد عمل سميح أيضاً محرراً في مجلة "قراءات سياسية" الناطقة بالعربية والصادرة عن مركز دراسات العالم والاسلام في تامبا بولاية فلوريدا، والذي تم إغلاقه من قبل الحكومة الأمريكية عام 1995 خلال حملة ضد النشاط الفلسطيني في الولايات المتحدة.

في السجن تحدثنا كثيراً عن كل شيء، ضحكنا على النكات التي كانت ترسلها لنا عائلاتنا عبر البريد أونتبادل القصص التي كانوا يشاركونا إياها خلال زيارة نهاية الأسبوع. كان سميح أول من استمع وعلّق على عشرات القصائد الروحانية التي كتبتها في السجن، أو تلك التي تتعلق بنضالنا من أجل العدالة والحرية ولفلسطين. عندما نشرت مجموعتي الشعرية عام 2004، أهديت له شكراً خاصاً كونه أول من استمع لقصائدي وقدم لي النقد والدعم.

أيام مظلمة معاً

تم اعتقالنا أنا وسميح في أعقاب الحادي عشر من أيلول، عندما استهدفتنا إدارة بوش تحت ضغط مجموعات الضغط الخاصة ووسائل الإعلام اليمينية بتهم ذات دوافع سياسية تتعلق بنشاطنا من أجل فلسطين وعملنا الخيري قبل أكثر من عقد من الزمن من اعتقالنا.

خلال تلك الأيام الصعبة أصبحنا زملاء اعتقال في سجن فيدرالي، نتشارك فيه زنزانة ضيقة لأكثر من 20 شهراً في معزل عن العالم الخارجي.

عندما كان يُسمح لنا بالخروج إلى زنزانة أكبر على سبيل الترويح إما في الصباح الباكر أو في أوقات متأخرة من الليل حتى لا نختلط مع السجناء الآخرين، كنا نلقي بكُرة مطاطية إلى الجدار حتى يصيبنا التعب، وكنا قد وضعنا قواعدنا الخاصة للعبة. كان سميح يتحلى باللياقة البدنية أفضل مني، وكان غالباً ما يفوز علي. كنا نركض ونعرق ونضحك ونتجادل قبل أن نعود إلى زنزانتنا لنُنهي أو نبدأ يومنا معاً.

كنا نصلي معاً كل يوم، وإلى جانب الصلوات الخمس خصصنا ساعة إضافية لقيام الليل، خلال الفترة التي قضيناها معاً، ربما صلينا أكثر من 18 ألف ركعة معاً، كما ختمنا القرآن الكريم عدة مرات.

خلال التفتيش المتكرر لزنزانتنا، كان يتم أخذنا مصفّدين إلى زنزانة أخرى، مما يؤدي إلى مقاطعة روتيننا البسيط بما في ذلك إعاقة تجهيزاتنا للمحاكمة، كنا نلاحظ بعد عودتنا للزنزانة أن وثائقنا القانونية قد تم العبث بها وأن بعضها مفقود أو في حالة فوضى كاملة.

كنا نواسي بعضنالبعض، ونقوّي من عزيمتنا وإرادتنا وإيماننا وصبرنا وكظمنا للغضب. في بعض جولات التفتيش كان يتم اعتقالنا في غرفة مع هاتف، ونظراً لأننا كنا محرومين سوى من مكالمة لا تتجاوز 15 دقيقة شهرياً، كنا نغامر ونتصل بعائلاتنا خلال عمليات التفتيش، كان أحدنا يضرب أرقام الهاتف دون أن يرى الأزرار لأن أيدينا مقيّدة إلى الخلف، بينما يتولى الآخر عملية التوجيه لاختيار الزر الصحيح، كنا نقوم بالتغطية على بعضنا البعض من خلال حجب الرؤية عن الحراس خلال حديث أحدنا مع عائلته، فلو تم اكتشافنا لتمت معاقبتنا بشدة.

قضينا ساعات طويلة للتحضير للمحاكمة واستعراض آلاف أشرطة المراقبة والاتصالات والأقراص المدمجة، وراجعنا الكميات الهائلة من الوثائق والتسجيلات والملخصات والشهادات.

في بعض الأحيان، كنا نستعرض الوثائق المعبأة في سيل من الصناديق في غرفة أكبر في السجن مع عميل تابع لمكتب التحقيقات الفيدرالية الذي كانت مهمته أن يراقبنا. كان سميح يُبدي امتعاضه للعميل بسبب الدوافع السياسية للقضية، ويعبر عن حيرته من كون دولة تتغنى بالقيم الديمقراطية تنحدر إلى درجة التلاعب بالحقائق والتضحية بالعدالة من أجل إرضاء بعض السياسيين والدول الأجنبية.

رفض الرضوخ

في أكثر من مناسبة، عرضت الحكومة الأمريكية على سميح الحصول على الجنسية ووظيفة وفرصة لإكمال درجته العلمية وأي شيء آخر يطلبه في مقابل الوقوف إلى جانب المحققين والشهادة ضدي.

أخبرهم بشكل قاطع بأنه يفضل قضاء بقية حياته في السجن على الكذب أو إيذاء شخص آخر لمكاسب شخصية، وعندما زادوا عليه الضغط، وهددوه باتهامه مع زوجته بتهم وهمية كالتهرب من الضرائب لم يرضخ أو يستسلم، كان إيمانه بالله غير محدود ويقينه بحريتنا مطلقاً.

كنا كل يوم نتناول وجباتنا الثلاث على الأرض، وخلال شهر رمضان كنا نفطر معاً في الزنزانة، في بعض الأمسيات كنا نقضي ساعات في محاولة الحصول على الماء الساخن لنحظى بكوب من الشاي في ذلك المساء، وهو ما حرمنا منه لكوننا مصنفين كـ “سجناء خاصين” ممنوعين من العديد من الحقوق والامتيازات المتاحة للمجرمين “العاديين” بما في ذلك المشروبات الساخنة.

كنت أطلب من عائلتي ارسال المال لسجين آخر مقابل أن يشتري لنا أكياس الشاي من مقصف السجن ويهربه لنا مع بعض الحاجيات بين الحين والآخر. وكنا وقتها نقضى ساعات على باب الزنزانة لإقناع أحد السجناء ممن ينظفون المرافق - يطلق عليهم المنظمون Orderly- ليهرّب لنا ماءً ساخناً في كيس بلاستيكي دون أن يراه السجانون، كان كوب الشاي الواحد يكلفنا دولاراً.

في الأيام التي ننجح فيها كنا نشعر بالانجاز رغم الصعوبات. في إحدى المرات، نصحنا أحد المنظمين بدلاً من الانتظار لساعات للحصول على كوب ماء ساخن بأن نقوم بإشعال نار صغيرة داخل الزنزانة باستخدام بطاريات الراديو، وعلى الرغم من أنه عرض لنا كيفية القيام بذلك ببساطة، إلا أننا أمضينا ساعات في المحاولة، وضحكنا كثيراً على عدم قدرتنا أو استطاعتنا.

عندما اقترب موعد المحاكمة كنت أنا وسميح في زنازين منفصلة، فقد نقلتنا الحكومة من السجن الفيدرالي مسافة 75 ميلاً إلى سجن محلي في تامبا. كنت حينها أقبع في قسم فارغ من المساجين في سجن النساء حتى أكون في عزلة تامة.

ومع ذلك، وفي خلال ستة أشهر من المحاكمة، كنا نلتقي كل يوم ونركب نفس الشاحنة المتوجهة للمحكمة، ولأن أيدينا وأقدامنا مقيّدة، كنا يعتمد كل منا على الآخر لأن الحراس كانوا يرفضون ربط أحزمة الأمان على الرغم من قيادتهم المتهورة. في إحدى المرات وبعد توقف مفاجئ للمركبة، طرت من مقعدي وضُربت رأسي في سقف الشاحنة وهبطت في حضن سميح، هكذا كنا لبعضنا لبعض.

قبل أسبوعين من نطق الحكم، حلمت أن سميح ومتهم آخر معنا تمت تبرئتهما من جميع التهم، في الحلم تم تبرئتي أنا كذلك لكنني بقيت عالقاً في غرفة المحكمة غير قادر على الخروج، وكان هذا ما حصل فعلاً حيث بقيت 9 سنوات أخرى رهن السجن والإقامة الجبرية قبل أن أحصل على حريتي الكاملة.

وفي حقيقة الأمر لم تنجح الحكومة في الحصول على إدانة واحدة على أي من المدّعى عليهم من بين أكثر من 100 تهمة قامت بتقديمها، وبينما تمت تبرئتي من أكثر التهم خطورة، وصلت هيئة المحلفين إلى طريق مسدود بخصوص التهم الأخرى مع نتيجة 10-2 لصالح البراءة الكاملة، قبل أن يقرر القاضي فجأة إيقاف المداولات إثر رفض اثنين من المحلفين الاستمرار في المداولات. على الرغم من وجود 4 محلّفين بدلاء في مبنى المحكمة كان يمكن استبدالهم.

ولقد تمت تبرئة سميح من جميع التهم الموجهة اليه.

عشنا لحظات مؤثرة عند قراءة الحكم في كانون الاول عام 2005، شعرنا بالألم عندما قلنا وداعاً لبعضنا البعض ونحن نعلم أن وقتاً طويلاً سيمر قبل أن يتسنى لنا اللقاء مرة أخرى، طلب مني سميح الدعاء وهو متوجه إلى الوطن، وسألته الشيء ذاته، وبالفعل، مر 11 عاماً قبل أن نلتقي مرة أخرى في اسطنبول.

اضطر سميح لمغادرة الولايات المتحدة والعودة إلى فلسطين حيث كان قسم كبير من عائلته مازال يعيش هناك، كان سميح من مواليد مدينة بيت لحم لعام 1960.

نموذج يُحتذى به

قبل دخولنا للسجن، كان سميح من أكثر الأشخاص الذي ساعدوني في إدارة المسجد والمركز الاسلامي الذي أسسته عام 1987 بعد التحاقي بجامعة جنوب فلوريدا قبل عام من ذلك التاريخ.

كما عمل سميح أيضاً مدرساً للمرحلة الثانوية ونائباً لمدرسة إسلامية خاصة أسستها عام 1992 وأدرتها لأكثر من عقد من الزمن. لقد اعتبرنا تلك المدرسة مساهمتنا الأكثر ديمومة في ارتقاء الجلية العربية والإسلامية. وقد كان سميح مصدر إلهام ونموذجاً يحتذى به من قبل تلاميذه الذين علمهم اللغة العربية والدراسات الاسلامية والتاريخ.

لقد كانت تجربة عظيمة لتلك الأجيال من الطلبة الذين تتلمذوا ودرسوا تاريخ فلسطين على يدي شخصية مثقفة ومعطاءة مثل سميح.

مؤرخ فلسطين

بوصفه مؤرخاً وباحثاً سياسياً، تخصص سميح في دراسة وتحليل الأرشيفين الفلسطيني والعثماني في القدس وغيرها من المراكز الحضرية الفلسطينية، وقد نشر دراساته في دوريات أكاديمية، وساهم في تأليف العديد من الكتب والفصول حول الحركات السياسية والمثقفين والقياديين الفلسطينيين في القرن العشرين.

قبل اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، كان سميح أول من كتب دراسة تفصيلية حول الشيخ عز الدين القسام، الزعيم الديني الشهير الذي حارب القوات البريطانية والعصابات الصهيونية في فلسطين خلال ثلاثينات القرن الماضي.

كما كان من أواخر الكتب التي نشرها سميح عام 2017، كتاب “رام الله العثمانية: دراسة في التاريخ الاجتماعي 1517-1918”، وقد حظي الكتاب بتقدير رفيع من المؤرخين.

كما نشر أيضاً عدة مجلدات حول أهم الشخصيات والأحداث التاريخية الفلسطينية، مثل ثورة البراق عام 1929، الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936-1939، الحياة في القدس خلال الانتداب البريطاني والحرب العالمية الثانية، إلى جانب مذكرات العديد من القيادات السياسية المقدسية مثل داوود صالح الحسيني، وطاهر عبد الحميد الفتياني، كما كان له دور رائد في تنظيم الأرشيف الخاص بجامعة بيرزيت ومدينة رام الله.

وحتى عام 2005، عمل سميح كرئيس تحرير لمجلة حوليات القدس الناطقة بالعربية، والتي تركز على مدينة القدس وكانت تصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

سنوات مسروقة

كان سميح مثقفاً بالفطرة وقارئاً نهماً وعالماً جاداً يحظى بذاكرة تاريخية واسعة.

لقد أحب سميح المعرفة وكان حريصاً على تحصيلها من جميع المصادر، ألهم الكثير من تلاميذه لاقتفاء أثره. كان يتفاعل مع أي شخص سواء أكان طالباً في المرحلة الابتدائية أو في طور الإعداد للدكتوراة في أي موضوع لا سيما في التاريخ والعلوم السياسية والاسلامية.

كان التعليم شغفه الأول، وكانت صناعة فرق في حياة الآخرين الثقافية والأكاديمية هدف حياته الذي يشهد عليه العديد من تلاميذه.

كان لي شرف استضافة سميح مرتين خلال العامين الماضيين في مركز دراسات الاسلام والشؤون الدولية (CIGA) الذي أسسته في اسطنبول عام 2017، وقد خاطب طلابنا وأعضاء هيئة التدريس حول فلسطين خلال الحقبة العثمانية، وعن العلاقات الدولية بين الاسلام والرأسمالية.

كان سميح قد أنهى أطروحة الدكتوراة وسلمها للجنة المناقشة، وكان على بعد أسابيع قليلة من مناقشتها عندما اعتقلنا في 20 شباط/ فبراير عام 2003.

وخلال المحكمة عام 2005، شهد مشرفه في مرحلة الدكتوراة على كون سميح واحداً من أكثر طلابه جدية واحتراماً، وأن أطروحته كانت من بين أفضل ما أشرف عليه من أطروحات للدكتوراة.

للأسف، وعلى الرغم من تبرئة سميح من جميع التهم، إلا أنه حرم من حق مناقشة رسالته والحصول على درجة الدكتوراة والتي كان قد أكمل جميع متطلباتها. كان ذلك اخفاقاً آخر للعدالة مدفوعاً بالخبث أو الجبن لدى الجامعة وبالغطرسة لدى الدولة.

بل حتى بعد تبرئته الكاملة في ديسمبر 2005، لم يكن كافياً أن ثلاث سنوات قد سُرقت من عمره دون وجه حق، وأنه حرم من حقه في الحصول على درجة الدكتوراة، وأن زوجته وستة من أطفاله حرموا من دفئه وحضوره، إذ عملت الحكومة الأمريكية وبغطرسة شديدة على تأخيره مدة ستة أشهر كاملة قبل إطلاق سراحه والسماح له بالمغادرة إلى الضفة الغربية في محاولة أخرى لمعاقبته بسبب هزيمتها على يد هيئة المحلفين خلال محاكمة استمرت ستة شهور واستُمع فيها لأكثر من 75 شاهداً.

وبينما كان سميح ما زال في السجن بعد خمسة أشهر من تبرئته، تحدث إلى برنامج المذياع الشهير “الديمقراطية الآن” حول محنته المستمرة وفضح الحكومة.

وما إن عاد سميح إلى الضفة الغربية في منتصف عام 2006، قامت السلطات الاسرائيلية باحتجازه واستجوابه، وحالت دون لقائه مع أسرته لمزيد من الوقت قبل أن تسمح له بالالتحاق بهم مرة أخرى.

ميراث من حب التعليم

كان سميح زوجاً نموذجياً، ووالداً وابناً باراً قام على رعاية والديه المسنّين لسنوات بعد عودته إلى الضفة الغربية.

وكانت زوجته الرائعة نادية، وشريكة حياته لثلاثة عقود، حجر الأساس للعائلة، فقد كانت مؤمنة وصبورة، لطيفة ووفية وداعمة له. وخلال المحنة الطويلة استطاعت الحفاظ على العائلة، ودفع أطفالها الصغار للتفوق في دراساتهم.

قبل عامين من الآن، حصلت ابنتهم الكبرى وئام على درجة الدكتوراة في علم االانثروبولوجيا من جامعة براون، مقتفية أثر والدها حيث التحقت بكادر التدريس وقيادة المشاريع البحثية في جامعة بيرزيت.

ابنة سميح الثانية، دعاء، ستحصل على شهادة الدكتوراة قريباً من جامعة اكسفورد، أما بناته الثلاث الأخريات حنان، وآلاء ونور فكلهن قد حصلن على شهادة الماجستير أو البكالوريوس بامتياز، وهذا العام حصل ابنه الأصغر، محمد، على منحة دراسية كاملة في إحدى جامعات الآيفي ليج العريقة. لقد نجح سميح بنقل حبه وتفانيه من أجل التعليم والفكر إلى أولاده، عندما تحدثت إليه مؤخراً كان فخوراً بإنجازهم.

على الرغم من أنه كان يعلم أن أيامه في هذه الحياة معدودة، فقد أوصاني خلال آخر اتصال هاتفي جمعنا قبل أيام من وفاته بأن أرسل له بعض الكتب من اسطنبول لعدم توافرها في الضفة. لقد ذكرني هذا بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها”، هكذا كان سميح، مؤمناً ومخلصاً للعلم حتى أنفاسه الأخيرة.

أودع صديقي وأخي، صاحب الروح الشجاعة، الكريمة، الصابرة، الهادئة، التقية، المسالمة والمحبة.

لقد فقدت فلسطين بالفعل أحد أبنائها المخلصين والأوفياء، لقد ترك سميح عدداً من المشاريع غير المكتملة وغير المنشورة والتي آمل أن يتمكن طلابه من استكمالها ونشرها.

وعلى الرغم من رحيله المفاجئ، إلا أنه ترك بلا شك بصمته الخاصة في فلسطين والعالم، رحم الله سميح وأسكنه فسيح جناته. إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا أبا محمد لمحزونون. إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

- نشرت هذه المقالة على موقع الانتفاضة الالكترونية (Electronic Intifida) في 4 حزيران 2019.

- ترجمة أماني السنوار – مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية - اسطنبول

* د. سامي العريان - رئيس مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية (CIGA) وأستاذ الشؤون العامة في جامعة اسطنبول زعيم في تركيا. كان بروفيسور العريان أكاديميا وناشطا في مجال الحقوق المدنية والقضية الفلسطينية في الولايات المتحدة لأكثر من 30 عاماً. ثم تم اتهامه من قبل الحكومة الأميركية عام 2003، مع سميح حمودة، وحوكم عام 2005 بتهم تتعلق بالارهاب، ولم يتم إدانتهما بتهمة واحدة من تلك التي وجهت إليهما خلال 6 أشهر من المحاكمة. أمضى د. العريان 11 عاماً بين 2003 و 2014 ما بين السجن والحبس المنزلي إلى أن اضطر للانتقال إلى تركيا عام 2015 بعد أربعة عقود قضاها في الولايات المتحدة بعد أن أسقطت التهم الموجهة ضده.