هل تحتاج ( الصحوة الإسلامية ) إلى صحوة؟!

بقلم: زهير الدبعي

كان لهزيمة حزيران 1967 كثير من النتائج والإرتدادات السلبية، ومنها تفسير ( بعض المسلمين ) للهزيمة بأنها كانت نتيجة الفسق والمجون، لذلك كانت عقاباً من الله، وأنها دليل دامغ على بطلان وفشل الدعوة للوحدة العربية والإشتراكية. وأنهم البديل الشرعي الوحيد، والمنقذ الأوحد، وإن تحرير فلسطين لا تحققه إلا ( الأيدي المتوضأة ).

أنطلى هذا الشعار الجميل على عشرات ملايين العرب والمسلمين وتناسينا حقيقة أن قائد الشعب العربي الفلسطيني لعدة عقود كان من الذين يحسنون الوضوء لأنه شيخ ومفتٍ وهو المرحوم الحاج أمين الحسيني الذي كان على درجة مرتفعة جداً من التقوى والإخلاص والشجاعة والذكاء.

والحاج أمين الحسيني كان منذ العام 1922 رئيساً للمجلس الشرعي الإسلامي الذي كان يقود ويدير المساجد والأملاك الوقفية والقضاء الشرعي والإفتاء. وأصبح في العام 1936 رئيساً للجنة العربية العليا.كما أصبح في العام 1945 رئيساً للهيئة العربية العليا. وظل متمسكاًبأحقيته في قيادة الشعب الفلسطيني رغم تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية حتى وفاته في بيروت 1974، وحرم من حقه أن يكون له قبر في القدس التي عاشت فيها أجيال من أجداده.ولم يكن الحاج أمين قائداً للحركة الوطنية الفلسطينية لعدة عقود فحسب، وإنما كان قائداً دينياً مرموقاً على صعيد وطن العرب وبلاد المسلمين. بل كان مقرباًوصديقاً استثنائياً إلى جماعة الإخوان المسلمين.

وجاء في كتاب ( من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة ) تأليف المستشار عبد الله العقيل منشورات دار البشير – بيروت - الطبعة الثامنة – 2008 صفحة ( 792 ):

" عرفته في سن مبكرة عن طريق السماع لأخباره وتحركاته في تعبئة الأمةالإسلامية للتصدي للمؤامرات التي يحوكها اليهود وينفذها أعوانهم المستعمرون وعلى الأخص الإنجليز الذين أعطوا اليهود الحق في توطن فلسطين حسب وعد بلفور المشئوم. وكان المفتي لا يهدأ مطلقاً فهو في حركة دائبة وعمل متواصل وجهاد شاق وصبر ومصابرة، لايقوى عليها إلا أصحاب العزائم من الرجال.

إن سماحة المفتي محمد أمين الحسيني علم من أعلام الإسلام المعاصرين، وهو غني عن التعريف مثلي فهو أشهر من أن يعرف وأكبر من أن أقوم بتعريفه، فقد ملأ الدنيا ذكره، وعم الخافقين صيته، وأذكر أن مجلة ( الإخوان المسلمون ) كتبت تطالب حكومة مصر بالسماح له باللجوء إليها، بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، ونشرت المجلة على غلافها صورته وكتبت تحتها: ( مهاجر القرن الرابع عشر الهجري مفتي فلسطين الأكبر الحاج محمد أمين الحسيني).

يعلمنا تاريخنا الحديث والمعاصر أن الشعارات العظيمة والكريمة لو رفعها مخلصون وأمناء وشجعان ليست كافية لحماية وطننا وشعبنا وأمتنا من ما تدبره وتنفذه المؤسسات الصهيونية. يجب إخضاع أداءنا في كل مرحلة وقرار وإجراء وموقف للمتابعة والرقابة والدراسة والتحليل والتقييم واستخلاص العبر والعظات، وهذا يحتاج إلى مؤسسات. والنقد الذاتي ضروري للمقاومين والدعاة حتى ولو رفعوا أجمل الشعارات وأعظمها، وحتى لو كانوا ممن نحبهم ونحترمهم ونثق بهم. حتى ولو قادنا الأتقياءالأذكياء الشجعان فالمفتي قائد كبير يتمتع بهالة كبيرة وقدرات لافتة حتى أن العنصري أدولف هتلر وجد نفسه مبهوراً بذكاء المفتي وشخصيته، ونحن لا نستشهد بهتلر من باب اعتزازنا بالرجل العنصري وإنما من باب (الفضل ما شهدت به الأعداء )، وكل عنصري في أي زمان ومكان هو عدو للإنسانية جمعاء، فضلاً أن بطشه العنيف باليهود كان بمثابة مضاعفة لقوة الحركة الصهيونية التي استهدفت وما زالت تستهدف أجيال من شعبنا وأمتنا فضلاً عن وطننا ومقدراتنا ومقدساتنا. وجاء في كتاب ( ألمانيا النازية وفلسطين 1933 – 1945 ) تأليف عبد الرحمن عبد الغني ( منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت – الطبعة الأولى 1995 – صفحة ( 344 ):

"كان الحسيني قد ترك أثرا عميقاً في هتلر، الذي أشار إلى دور الحسيني عند إعادة رسم خريطة ( النظام العالمي الجديد) بعد الحرب. وقال هتلر عن المفتي: ويترك الانطباع بأنه، بشعره الأشقر وبعينيه الزرقاوين ورغم تقاسيمه الحادة الشبيهة بتقاسيم الفار، رجل ذو أكثر من آري واحد بين أجداده، ويحتمل جداً أنه ينحدر من أفضل أصل روماني. ويتحلى بدهاء ثعلب، خبير بارز في الحديث، إذ إنه يطلب أحيانا كثيرة ترجمة الأشياء بالفرنسية، وبعد ذلك بالعربية، لكي يكسب الوقت للتفكير. ويطلب أحياناً أخرى أن تكتب العبارات للحيطة والحذر. ويكاد يضاهي اليابانيين بحكمته النادرة".

دراسة التاريخ واجب على كل مواطن وبخاصة لمن يرفعون شعارات التحريروالتغيير والإصلاح لان التغيير كما علمنا الحق سبحانه وتعالى لا يتحقق بتغيير الوجوهوالأسماء والشعارات والهتافات، وإنما بتغيير النهج وتغيير العقلية " إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ": (سورة الرعد 11 : 13).

إننا لم نكن نياماً ولا فجاراً قبل هزيمة العام 1948 التي أفرزت سلسلة من النكبات والأهوال وبالتالي فإن شعار ( الأيدي المتوضأة ) القادرة الوحيدة على تحرير فلسطين الذي رفعته وتغذت منه قوى سياسية بعد هزيمة 1967 لم يكن بدوافع الدعوة وإنمالأغراض الدعاية. نحن لانستشهد بتاريخ وقادة كوبا وفيتنام وإنما بتاريخ وقادة فلسطين. ورحم الله من قال: " من أعتنى بالتاريخ فقد ضم إلى عمره أعماراً وإلى تجربته تجارب" ورحم الله من قال : " الذي يجرب المجرب عقله مخرب" بداهة أعني المجرب هنا ليس الدين، وليس تقوى الله تعالى وما تقتضيه من صدق وأمانة واستقامة ونزاهة وإيثار مصلحة العباد والبلاد على مصلحة الأمير والحزب، وأي شيء آخر، وإنما أعني الإتكال على الشعارات المقدسة.

أثمرت الصحوة الإسلامية التي تغذت من الصدمة التي أفرزتها هزيمة حزيران 1967 أعمالاً صالحة وخيرة ومباركة كإقبال الناس على الصلاة وإنشاء المساجد وإندفاعهم نحو الحج والعمرة لدرجة يزيد عدد الحجاج والمعتمرين خلال الأربعين سنة الماضية عن مجموع عدد الحجاج والمعتمرين طيلة القرون الأربعة عشر الماضية. وأنتشر عدد المجيدين للترتيل ولحفظة القرآن الكريم، والملتحين والمحجبات والمبرقعات وأسماء مصعب ودجانه وشرحبيل.

ومن الواجب التوقف طويلا للحديث عن نتائج هذا النمط من الخطاب الديني وهذا المستوى من معايير التدين التي أسهمت في أعمال عنف واقتتال وحروب أهلية في سوريا وليبيا وغيرهما من الأقطار مما ألحق كثيراً من الأوجاع بعشرات ملايين المواطنين ومعظمهم من النساء والأطفال وألحق بقضية فلسطين أذى عميقاً وجعل من فلسطين والقدس وواجب أن تبقى بوصلة الأمة وقبلتها الجهادية، أصبحت نشرات الأخبار تتحدث عن تحرير الموصل وطرابلس وحلب وصحراء سيناء.

الصحوة الإسلامية التي تليق بأجدادنا ويحتاجها أحفادنا هي التي تسهم في العيش المشترك وبالتالي ترفض الطائفية والمذهبية والجهوية والبهلوانية. فهل يليق بالذين ينتسبون إلىالأمة التي وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ" ( آل عمران 3 : 110 ). هل يليق بأي فرد أو جماعة من هذه الأمة أن يكون شعارها في عام 2012 في مدينة حمص السورية:" العلوي إلى التابوت والمسيحي إلى بيروت". إدعاء أية جهة سياسية بالفرادة والحصرية والتفوق يعني تقويض مبدأ المواطنة الذي يقوم على المساواة والندية والشراكة بين جميع المواطنين مهما اختلفوا في عقائدهم وأعراقهم وأفكارهم ومواقفهم. أما دعاوى احتكار المعرفة بأسرار الدين والوطن فهذه مزاعم وخرافات تمزق وتبعثر وتختزل الولاء الوطني لكل الوطن والولاء للشعب كل الشعب من خلال الفعل المقاوم القوي والمثمر من الجميع وبالجميع وللجميع، إلى هوامش الإنتماء الحزبي والمذهبي والطائفي.

وتطهير نفوسنا وعقولنا من دعاوى الفرادة والحصرية والتفوق مما يقتضي إلى التسليم بالتعددية والتنوع والشراكة الحقيقية في القرار العام والمال العام. الصحوة الإسلامية التي تخدم الوطن وتقوى الأمة هي كل جهد وإجراء وموقف ونشاط يسهم في الاستقرار والتنمية والتحرير من خلال توعية الناس وحضهم على دور أعمق للقيم في حياتهم اليومية، من خلال العمل لتوعية الناس وليس لقولبتهم، لأن الدين ضوابط وليس قوالب، طاقة للخير والبناء ومقاومة الغزاة والغلاة والبغاة وليست طاقة للكراهية والطائفية والظلامية وعدم الاستقرار. الدين غايته الإصلاح، إصلاح الأفراد والأسر والعقول والنفوس والمجتمعات والأوطان والكون كله. وكل جهد يدفعنا إلى الخلف ويضعف وحدتنا وتضامنا هو جهد مناقض لغايات الدين ومقاصد الشريعة. وقد لخص سيدنا شعيب عليه السلام رسالة الدين بالإصلاح العميق والشمولي:" إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " (هود 11 : 88 ). إننا وطناً وأمة والبشرية جمعاء بحاجة ملحة إلى خطاب ديني ومعايير تدين لإصلاح حياتنا كلها، وأن ثمار الصحوة الإسلامية مازالت أقل بكثير من قدرة الدين على البناء والاصلاح والعطاء، وأقل بكثير من حاجة شعبنا وأمتنا وضحايا العنصرية والظلم والاستكبار في هذا الكوكب.

الصحوة التي تليق بعظمة الإسلام، هي صحوة للعقول وانتشار للعقلانية، وانتصار على الظلامية والتخلف، صحوة للقلوب لدرجة تثمر تراجعاً للأنانية والطمع والإنبهار بالرتب والألقاب. صحوة للتوبة من العشوائية والإرتجال ومأسسة كل جهودنا وحياتنا اليومية وأدائنا العام. صحوة لمضاعفة الإنتاج ولجم الاستهلاك.

صحوة للتعليم المدرسي والجامعي لدرجة تثمر قدرة على التفكير والإنتاج المعرفي واعتماد التعددية والتنوع واحترام الحريات. صحوة لسيادة القانون وسطوته واستقلال القضاء وهيبته. صحوة لتأمين حياة كريمة لكل مواطن لا يستطيع أن يعيش بكرامة بدون مؤازرة فعلية للمجتمع.

صحوة تسهم في خلاص كلي وقطعي ونهائي من الاحتلال بكل صوره وأشكاله. صحوة تنقل إنتماء الشباب من هوامش قبلية ضيقة إلى آفاق الإنتماء للوطن والأمة والبشرية كلها. صحوة تزهر وتثمر تراجعاً جدياً في العوامل الطاردة للشباب والكفاءات من الوطن، كما تزهر وتثمر عوامل جاذبة للنخب من شعبنا وأمتنا للعودة إلى أوطانهم. صحوة تسهم في تنمية ونهضة وإعادة إنتاج الحضارة العربية الإسلامية بكل مكوناتها وأطيافها.

صحوة تقودنا إلى إعادة إنتاج حضارتنا ليس باستنساخ صور الحياة في الكوفة والبصرة في القرن الأول للهجرة، بل صحوة تنتج حضارة قادرة وراغبة في حوار وتكامل الحضارات خدمة للإنسان في كل مكان على قاعدة حق كل إنسان في الكرامة والحرية والعدل والتنمية والسلام.