معاقبة الضحية - انتكاس الحضارة

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

يظهر تاريخ البشرية مسارا متعرجا، ومتفاوتا في تطور القيم الإنسانية التي تحكم العلاقات بين الشعوب والدول.

وفي كثير من الأحيان كان تبني قيم حقوق الإنسان المعاصرة، والمواثيق التي تحرم جرائم الحرب والعنصرية والفاشية، ناتجا عن الحاجة لإنقاذ البشرية والدول من الدمار المحتوم نتيجة إنفلات التطرف، في ظل وجود أسلحة دمار شامل يمكن أن تفني البشرية بكاملها، أكثر مما كان إستجابة للقيم الأخلاقية الرفيعة التي أبدعها المفكرون، والفلاسفة الإنسانيون.

ولكن، وبغض النظر عن الدوافع سواء كانت مصلحية أو أخلاقية، فإن تاريخ التطور الإنساني مثل مسارا متصاعدا، وإن كان متعرجا، من البدائية والتخلف، والهمجية، إلى الحضارة الإنسانية.

رأينا ذلك فيما يتعلق بمواثيق حقوق الإنسان التي قيدت تعسف السلطات، وخاصة السلطة المطلقة في تعاملها مع البشر، وفي تطور قيم احترام حقوق الأطفال، والعمال، وبشكل خاص في مكافحة أشكال التمييز والاستعباد التي عانت منها النساء.

وشمل التطور، قرارات مناهضة الإستعمار، والإحتلال، وضم الأراضي المحتلة بالقوة، ومختلف أشكال العنصرية والأبارتهايد.

وبغض النظر عن مظاهر النكوص العالمي الشامل نحو العنصرية والشوفينية القومية، والانتشار المريع لقيم الرأسمالية الاستهلاكية المتوحشة، تحافظ البشرية على منظومة متكاملة من أعراف، ومواثيق، واتفاقيات، وقوانين تحتم إحترام حقوق الإنسان، وحقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.

ويكثر السياسيون، وخاصة الغربيون، من التغني بهذه القيم والمواثيق، باعتبارها مرشدا أساسيا للسياسة.

لكن المعضلة التي يواجهها العالم، ولا أبالغ عندما أقول العالم، تتعلق تحديدا بقضية الشعب الفلسطيني.

فهي قضية واضحة بجلاء لا يمكن تعتيمها، لشعب هوجم، واُضطهد، وعُذب، وشُرد جزء كبير منه من أرض وطنه، وأٌخضع للاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، ولنظام الأبارتهايد الأسوأ في تاريخ البشرية، ويواصل مضطهدوه الإسرائيليون حرمانه من حقه في الحرية، والكرامة، وتقرير المصير، بل يتفننون في إنكار هذا الحق.

ومع ذلك، يشهد الفلسطينيون حملة بغيضة، وهم الضحية، لمعاقبتهم على عدالة قضيتهم، وحملة أخطر لشيطنتهم، ولنزع صفة الإنسانية عن قضيتهم.

وهي حملة لم تتوقف، منذ نكبة عام 1948، ولكنها تجاوزت كل حدود الوقاحة في السنوات الأخيرة، نتيجة الإختلال القائم في موازين القوى المحلية، والإقليمية، والعالمية.

وتشمل الحملة وصف النضال الفلسطيني بالإرهاب، ووصف الشهداء ضحايا القتل الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي بالإرهابيين.

وكذلك الأسرى الفلسطينيين الذين يعتقلون ويحاكمون ويسجنون لأنهم يطالبون بحرية شعبهم، وفي مئات الحالات دون توجيه أي إتهام لهم.

وتمتد الحملة لوصف أكثر أشكال النضال الفلسطيني سلمية، كالمقاطعة، باللاسامية، و إلى إلصاق صفة العنف بالمقاومة الشعبية، مع إغماض العين عن كل القتل، والدمار، والقصف، والحصار الذي يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وتشمل الحملة، التي يغذيها مخططون حكوميون إسرائيليون، سلب صفة الضحية من الفلسطينيين، ومنحها لإسرائيل التي تحتلهم وتضطهدهم، مع إستغلال بشع ومُقزز لما تعرض له الأبرياء اليهود من مجازر وتنكيل على يد الفاشية، والنازية من خلال الهولوكوست الذي كان جريمة بشعة ووحشية أُرتكبت في أوروبا ولا علاقة للفلسطينيين بها، ولا يمكن أن تكون مبررا لما تمارسه إسرائيل من اضطهاد للشعب الفلسطيني.

أركان ما يسمى " صفقة القرن"، يعاقبون الفلسطينيين في محاولة لإخضاعهم، وولايات أمريكية، وبرلمانات أوروبية تتورط في إقرار قرارات وقوانين لكسر حقهم الإنساني في حرية الرأي، ومقاومة الاحتلال والعنصرية، ومؤسسات حقوقية دولية تتجاهل كل ما يمارسه الإحتلال والمستوطنون المستعمرون من خروقات لحقوق الإنسان، ومحكمة الجنايات الدولية تعيش شللا جبانا، بسبب الضغوط الأمريكية، تمنعها من فتح ملفات جرائم الحرب الإسرائيلية الواضحة وضوح الشمس، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لا يجرؤ على القيام بواجبه بتنفيذ القرار المتخذ بنشر أسماء الشركات المتورطة في خرق القانون الدولي من خلال العمل في المستعمرات الإسرائيلية.

وفي محصلة كل ذلك، فإن هناك أربعة إستنتاجات يجب أن تُذكر:

أولا، إن السلوك الدولي والموجه نحو معاقبة الفلسطينيين، يمثل انتكاسة للحضارة الإنسانية برمتها، ولمسار التطور من الهمجية، والبدائية نحو الحضارة.

ولا يستطيع أي شخص، أو منظمة، أو حكومة ادعاء حرصهم على حقوق الإنسان، وحقوق المرأة والأطفال، وعلى محاربة العنف ضد النساء، إن لم يقفوا إلى جانب الحقوق الإنسانية للفلسطينيين وإلى جانب نضالهم العادل لتحقيقها، فالعدالة لا تتجزأ، والأخلاق ليست قيما إستعمالية يمكن أن تستخدم بشكل إنتهازي.

ثانيا، أن هذه الهجمة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني لن تكسر إرادته، بل ستزيد تصميمه على تحقيق حريته وكرامته، التي لا بديل لها كضمانة لمستقبله في هذا العالم الذي تتلاطم فيه موجات الصراعات والنزاعات.

ثالثا، إن ما يتعرض له الفلسطينيون من خطر على مستقبل قضيتهم، من خلال" صفقة القرن" وغيرها، يجب أن يشكل حافزا غير مسبوق لتحقيق وحدتهم أولا، ولتعميق إعتمادهم على أنفسهم ثانيا.

رابعا، إن حملة التشويه الدولية ضد الفلسطينيين ومن يناصروهم، تؤكد مرة أخرى الحاجة الملحة، التي جرى إهمالها، لنشاط إعلامي فلسطيني منظم، متواصل، وفعال لمواجهة الرواية الإسرائيلية، ولإيصال الرواية الفلسطينية الموضوعية إلى شعوب، وأحزاب، وبرلمانات دول العالم ومجتمعاتها المدنية.