مؤتمر المنامة.. انقلاب عرب

بقلم: طلال أبو ركبة*

تأتي الدعوة الأمريكية لعقد مؤتمر اقتصادي في المنامة عاصمة البحرين منتصف هذا الشهر في إطار محاولتها لحشد الدعم العربي والدولي المؤيد لخطواتها في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي عرفت إعلامياً بإسم صفقة القرن. في طياتها، تطرح هذه الصفقة مقاربات جديدة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي تقوم على إدامة الاحتلال والتنكر للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، خصوصاً عقب الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة موحدة للإحتلال الإسرائيلي، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وما تلاها من خطوات أمريكية قاسية تجاه السلطة الفلسطينية، كإغلاق مكتب المنظمة في واشنطن، وسحب تمويلها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وغيرها من الخطوات الأخرى.

الدعوة الأمريكية لمؤتمر المنامة شبيهة بجلسات سابقة تم عقدها خلال العام الأخير لبحث سبل تمرير الصفقة، تم خلالها دعوة الأطراف التي لا تستطيع الوقوف في وجه الإدارة الأمريكية والتي تتماهى تماماً مع سياساتها، وعلى الأخص دول الخليج العربي، وهو ما قد حصل سابقاً في جلسة العصف الفكري في واشنطن قبل أشهر، وكذلك لقاء بروكسل قبل فترة وجيزة.

تأتي الخطوة الأمريكية هذه في إطار استثمار الواقع العربي المتردي، والذي يعاني من تداعيات الزلزال الكبير الذي ضرب المنطقة العربية منذ مطلع العقد الحالي مع انطلاق موجة الربيع العربي التي أنهت بعض الانظمة العربية السابقة، ولم تفرز حتى اللحظة نظاماً عربياً قادراً على تجاوز أزماته. واقع تلك الانظمة مشابه تماماً للمرحلة التي مررنا بها في مطلع تسعينات القرن الماضي حين نجح جورج بوش الأب في ذلك الوقت في استثمار الانقسام العربي عقب حرب الخليج الثانية في نقل الصراع العربي الإسرائيلي من حالة الرفض الى حالة القبول، مما أسفر عنه توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وما تلاها من اتفاقيات عربية كاتفاقية وادي عربة مع الأردن ومكاتب تعاون اقتصادي لإسرائيل في العديد من الدول العربية من الرباط وحتى الدوحة.

يحاول ترامب السير على خطى سلفه بوش الأب في استغلال الأزمة مع إيران، واستثمار حالة الخوف والقلق الخليجي من السياسة الإيرانية وأذرعها في اليمن وسوريا بالتحديد، ليفرض عليهم قبول ودعم مقاربته الجديدة لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبدعم وتمويل عربي كامل وخصوصاً من المملكة السعودية وبقية دول الخليج.

التعاطي العربي مع ما تطرحه الإدارة الأمريكية من صفقة لإنهاء الصراع، وفي ضوء الرفض الفلسطيني للتعاطي مع الصفقة أو ما رشح منها حتى اللحظة، يعتبر بمثابة التفاف عربي على الشعار الذي رفعه العرب سابقاً (نقبل بما يقبل به الفلسطينيون)، وانقلاب على مقررات قمتي الجامعة العربية في الظهران وتونس على التوالي، وتخلي واضح عن مبادرة السلام العربية التي طرحت في قمة بيروت في العام 2002.

يأتي التعاطي العربي وخصوصاً من دول الخليج العربي التي اعتلت قيادة النظام العربي الرسمي، عقب الانهيارات الكبرى التي أصابت الدول العربية المركزية وصاحبة الدور التاريخي في الصراع العربي الإسرائيلي، وخصوصاً العراق الذي فقد مكانته العربية عقب احتلاله في العام 2003 وانهيار نظامه وانتاج نظام سياسي هش يقوم على الطائفية والتبعية للإدارة الأمريكية، والمحاولات المستمرة للنيل من الاستقرار السوري عبر ادامة الصراع الذي خلف عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، ناهيك عن ملايين من اللاجئين والنازحين، وما زالت رحاه مستمرة حتى اللحظة. وحالة اللاتوازن التي يعيشها النظام نتيجة لتردي الأوضاع اقتصادية خصوصاً عقب ثورة 25 يناير والصراع بين الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية في مصر، ولا تزال أثارها ممتدة حتى اللحظة.

فلسطينياً هناك حالة رفض تام من مختلف الأطراف في الحالة الفلسطينية لصفقة القرن بمجملها، ولمؤتمر المنامة على وجه الدقة، وهو ما اعتبرته القيادة الفلسطينية، التفاف على حقها في تقرير المصير الفلسطيني لصالح أطراف عربية كما صرح صائب عريقات امين سر اللجنة التنفيذية.

الظروف الفلسطينية قريبة إلى حد كبير من الظروف التي كانت عشية انطلاق مؤتمر مدريد، بسبب الضائقة المالية التي تعيشها السلطة بفعل خفض المساعدات الأمريكية من ناحية، والقرصنة الإسرائيلية لأموال المقاصة منذ أكثر من ثلاث شهور. وبعد قطع قنوات الاتصالات والتواصل مع الإدارة الأمريكية. تنعكس هذه الامور مجتمعة على حركة حماس التي تعاني من ظروف اقتصادية صعبة للغاية نتيجة للحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، وبفعل الأزمة الخليجية بين قطر وجاراتها الخليجية، إضافة لتراجع قدرة حركة الإخوان المسلمين على دعمها كما كان في السابق.

لقد لعبت الأطراف العربية المتصارعة في السنوات الماضية دوراً في توسيع الفجوة الفلسطينية الداخلية، وساهمت في إبراز التناقضات الداخلية الفلسطينية، وتراجع التناقض الرئيس مع الاحتلال. إلا أن الفلسطينيين يمتلكون القدرة على افشال صفقة القرن، ومن يدعمها. ولكن هذا الإفشال مشروط بوحدة موقف فلسطيني، تتجاوز من خلاله الفصائل الفلسطينية خلافاتها الداخلية عبر التوافق على برنامج الحد الأدنى، لمواجهة الصفقة. والمطلوب في هذا البرنامج أن يستعيد التجربة النضالية الأروع في تاريخ الشعب الفلسطيني، تجربة الانتفاضة الكبرى 1987 التي نجح خلالها الشعب الفلسطيني في جعل الاحتلال يدفع ثمن احتلاله، ونجح خلالها من كشف الوجه القبيح للاحتلال وجعله مرئي أمام العالم. وهو ما دفع الاحتلال وقتها للبحث عن مخرج من أزمته أمام شعب أعزل يقاتل من أجل حريته واستقلاله.

الواقع يقول إنه طالما لم تتغير الأمور على الأرض، فلن يحدث أية اختراق في الغرف المغلقة. وهذا يعني أنه آن الاون لان يأخذ الفلسطينيون زمام المبادرة واستعادة وحدتهم وبناء استراتيجية نضالية واضحة وشاملة لاستعادة كامل حقوق الشعب الفلسطيني أينما وجد في ضوء سياسات التنكر لحقوقهم والمحاولات الأمريكية لإدامة الاحتلال، والمشاركة العربية الهزيلة في تمرير صفقة مرفوضة على المستوى الشعبي والرسمي الفلسطيني وعلى مستوى الشعوب العربية المناصرة للحقوق الفلسطينية. يجب ان تتضمن هذه المبادرة إعادة الاعتبار للنضال الشعبي في مواجهة الاحتلال، وفرض وقائع جديدة مؤلمة للاحتلال ولمن يقف خلفه. ان اعتماد سياسة الانتظار والترقب لما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة التي يتم التنكر لقراراتها في هذه الصفقة لم يعد يجدي نفعاً بعد إنكشافات الاشقاء من الانظمة العربية التي تستضيف وترعى وتروج للصفقة.

....................................................................................................

* محلل سياساتي في شبكة السياسات الفلسطينية «الشبكة»، وباحث سياسي مقيم في غزة.