"ثقافة" العنف والقتل في مجتمعنا إلى أين ؟

بقلم: راسم عبيدات

جرائم القتل المتزايدة في مجتمعنا، و"ثقافة" العنف التي تستشري وتترسخ بيننا وفي علاقاتنا، تؤشر الى أن هناك بنية كاملة، أخلاقية فكرية ثقافية، قد انهارت في مجتمعنا، في ظل تراجع وتشوه الوعي وانحسار المد الوطني. ويتجسد ذلك عندما تتقدم الأجندات والمصالح الشخصية والعشائرية والقبلية والجهوية على الأجندات الوطنية والمصالح العامة، وتنتشر ثقافة ومقولات "إذا ما حماك شرك ما بحماك خيرك" و"كون ضارب ولا تكون مضروب" و"انا واخوي على ابن عمي وانا وابن عمي عالغريب" و" أقتله ما بطلع عالذكر عشرة شيكل" أو "ديتك فنجان قهوة"، وهذا يعني بأن هناك بيئة حاضنة للعنف ومحرضة عليه.

ولذلك وفي ظل تنامي العشائرية والقبلية وتراجع دور السلطة المركزية وغياب القانون والمساءلة والمحاسبة، وتسليم العقد والحل في المناطق التي يغيب فيها القانون الى جماعات من المستدخلين على الإصلاح العشائري أو وجود رجال إصلاح ولكن ليس لديهم القدرة على وضع حلول رادعة بحق من يرتكب الفعل او الجريمة، فهذا يعني رغم سياسة اطفاء الحرائق التي يبادر لها الخيرون والمخلصون من رجال الإصلاح العشائري، فإن النار في اول فرصة تشعلها شرارة ستهب أقوى من السابق وتحرق معها الأخضر واليابس.

عندما تتحول المجتمعات الى مجتمعات بوهيمية ورعاع، وتتصرف كقطيع بغريزتها وعواطفها بعيداً عن عقول لا تستخدمها سوى بحشوها في اللغو الفارغ والطبيخ والقيام بالفعل القبيح، وتتهتك وتتفكك انسجتها المجتمعية والوطنية، فهذا يعني أنها تسير نحو حتفها بأرجلها، فهي تخرج عن إطار البشرية العاقلة.

وعندما تشاهد معظم " الطوش" والخلافات والإحتراب القبلي والعشائري المنتشرة في مجتمعنا 'إنتشار النار في الهشيم، نتيجة مسببات وعوامل ليس لها أي معنى او قيمة جوهرية، وهي لا تخرج عن خلاف بسيط بين طفلين أو الخلاف على محل ايقاف سيارة، او الخلاف على حدود قطعة أرض او مسار طريق او شارع، أو على ميراث، وربما اتفه من ذلك، عدم إعطاء حق اولوية في السير او السير بعكس السير، وربما يكون الأمر متعلقاً بـ" حركشة" وتحرش لفظي او جسدي بالفتيات،واكبر هذه الأسباب قد يكون وفاة نتيجة حادث سير وغيرها من الأسباب الأخرى،والتي لا تستدعي " الفزعات العشائرية والمشاركة الجماعية في " الطوشة" بدون معرفة من هو المعتدي او المعتدى عليه، واستخدام كل أدوات القتل من السلاح الأبيض والمواسير والعصي والجنازير والشفرات و"الفقاقيع" وحتى السلاح الحي المشبوه، فهذا يعني ان هناك خلل جوهري في المجتمع يجب التوقف عنده والعمل على معالجته.

ندرك بأننا قد وصلنا الى القاع، مرحلة الأزمة الشاملة، المشخصة أسبابها وعناوينها، ولكن دون ان يجرؤ أحد على طرح حلول لها، او المبادرة إلى تعليق الجرس، وجميعنا يعرف بأن حجم أزماتنا ومشاكلنا الإجتماعية عميقة وكبيرة جدا ولا تحلها كل ماكينات الكذب والدجل والنفاق التي نختزنها ونتغنى بها ليل نهار، بالقول بأننا رحماء ومتسامحين ومتحابين واخوة في الدم والدين واللغة والتاريخ والمصير، ولا يغرنك الظهور في الصلح بمظهر المتحدين وما يصدر عن المتبارزين في الكلام في الصلح بما يسمى بالكرم العربي الأصيل، حيث يجري إستحضار سيرة كل الأولين والأنبياء والرسل والصالحين والشهداء والأسرى والقادة العظام، لكي نصل الى سيد الحل " فنجان القهوة السحري" الذي لا تستعصي عليه مشكلة صغرت او كبرت، ونحن ندرك أيضاً بانه سبب البلاوي والمشاكل واستمرارها وتفاقمها،فالحلول الترقيعية او المجزوءة او غير المنصفة وغير العادلة،لا تصمد في أرض الواقع ودوما ًقابلة لإنفجار اوسع واكبر.

نحن في تيه وضياع، اولاً بسبب تشوه وعينا وثقافتنا وتربيتنا وتعمق ازماتنا الإجتماعية، دون ان نجرؤ حتى على القول بأننا نعيش أزمات تتطلب حلولا، بل دائما إنشاء وكلام معسول بأننا امة عظيمة وخير أمة أخرجت للناس. أي أمة هذه التي لا تتفق على يوم عيد ولا على بداية صوم وتقتتل فيما بينها كما هي حروب "داحس والغبراء" و"البسوس" على أسباب تافهة جداً لا تستدعي كل هذا الدم والقتل والتخريب والتدمير والحرق والطرد والترحيل، تماماً كسياسة التطهير العرقي التي ينفذها الإحتلال بحق شعبنا الفلسطيني؟!

علينا أن نعترف بأننا بحاجة الى إعادة تاهيل وحتى أنسنة. نحن أصبحنا عشائر وقبائل عدنا الى مرحلة المشاعية الأولى كحقبة تاريخية بشرية. نحن نحتاج الى حلول جذرية لمشاكلنا وليس سياسة " الطبطبة" و"لم الطابق" و"فناجين القهوة" السحرية.

نحن بحاجة الى أن نعلم أطفالنا الأخلاق قبل كل شيء،ان نعلمهم في طفولتهم الأخلاق والإنتماء لمصلحة عامة وجماعية،أفضل من التلقينات القائمة على البصم والحفظ ...في البيت في الحارة في المدرسة في المؤسسة،نعلم الطفل بانه ابن هذا الوطن وليس ابن عشيرة فلان او علان، نعلمه قيم الإنتماء والتطوع، قيم الإيمان بالمصالح العامة والحفاظ عليها. الأمة التي "تذبح" الكتب في الشوارع العامة يستحيل أن تتقدم وتتطور، والأمة التي يفتي لها جهلتها من شيوخ ليس لهم علاقة بالدين، بل ثقافتهم مجموعة هرطقات عجائز هي سائرة نحو حتفها وإندثارها، فالأمم تعيش عهد " الروبوت " و "الهايتك" والتعلم من خلال الحاسوب، والشعوب قطعت مراحل طويلة نحو التقدم العلمي والتكنولوجي، ونحن ما زالت أسئلتنا تتمحور حول كيفية دخول الحمام بالرجل اليمنى أم اليسرى،أو هل الشطافة واستخدامها يبطل الصيام أم لا، وهل جنس الملائكة ذكر أم أنثى؟.

نحن بحاجة الى ان نتحاور ونجلس مع بعضنا البعض، نشخص ونتطرق الى الأسياب وكيفية معالجة الظواهر السلبية في مجتمعنا بعقل جماعي، نستوعب فيه بعضنا البعض، دون ادعاء من البعض بأنه يملك الحقيقة الكاملة، او أنه ممثل الله على ارضه، وانه بدونه لا يصلح الكون.

نحن بحاجة الى مبادرات عملية من البيت الى المدرسة فالمؤسسة ودار العبادة. وعندما نربي أطفالنا على وضع القمامة في الحاويات والأماكن المخصصة لها، نشعر بنظافة شوارعنا، وعندما نربيهم على أهمية وقيمة القراءة والكتابة،يتعلمون ثقافة عدم تمزيق الكتب في الشوارع بعد نهاية الفصل او العام الدراسي. وعندما نربيهم على حل مشاكلهم بين بعضهم البعض بشكل إنساني وحضاري بعيداً عن العنف، يستوعبون ويحترمون بعضهم البعض، وعندما نربيهم على زراعة الأشتال والأزهار، وما تجلبه من مناظر واجواء خلابة وجميلة، فهم لا يقدمون على اقتلاعها من الشوارع والطرقات.

ألف مبادرة ومبادرة نستطيع القيام بها، فالحلول الكبيرة تحتاج الى مبادرات صغيرة، كل يبادر في موقعه وبتناغم وتشارك نستطيع الوصول الى اهدافنا، ولكن بدون ذلك سنبقى ندور في حلقات مفرغة، وسنكون أمام كوارث حقيقية، وهذا لا يعني بأن المشاكل لا تحتاج الى حلول رادعة ايضا.