"المتاريس" تتحول إلى رمز للاحتجاجات في السودان

شمبات- "القدس" دوت كوم- يقطع محتجون يرتدون قمصان "تي شيرت" وسراويل "جينز" طريقا في إحدى ضواحي الخرطوم بواسطة الحجارة، قبل أن يسرعوا بالهروب لدى وصول شرطة مكافحة الشغب.

ويطلق عناصر الأمن بزيهم الأزرق النار في الهواء لتفريق الشبان الذين لا يلبثون أن يفروا إلى أزقة حي شبمات الشعبي في شمال العاصمة السودانية.

ويترجّل الشرطيون من شاحناتهم ويعملون على إزالة "المتاريس" من وسط الطريق بأيديهم ومن ثم بواسطة جرافة، ويضرمون النار في كل ما يمكن إحراقه من مخلّفات لتفادي استخدامه من قبل المحتجين.

لكن ما ان تغادر قوات الأمن حتى يعيد الشبان قطع الطريق.

ومع "الإضراب العام" تحوّلت المتاريس إلى رمز لـ"العصيان المدني" الذي أعلنته الحركة الاحتجاجية اعتبارا من الأحد ضد المجلس العسكري الانتقالي الذي يتولى السلطة منذ إطاحة الرئيس عمر البشير في 11 نيسان/أبريل. ويرفض قادة المجلس تسليم السلطة للمدنيين.

وبعد نحو شهرين من إطاحة الجيش الديكتاتور السابق، اتّخذ الصراع بين الحركة الاحتجاجية والقادة العسكريين منحى مأسويا بعد الفض الدموي للاعتصام أمام مقر قيادة القوات المسلّحة في الخرطوم.

وتقول الحركة الاحتجاجية إن حصيلة القمع الدامي الذي تعرض له المحتجون في الثالث من حزيران/يونيو بلغت 118 قتيلا ومئات الجرحى سقطوا بغالبيتهم خلال عملية فض الاعتصام، فيما تقول السلطات إن الحصيلة 61 قتيلاً.

ومذّاك تشهد شوارع الخرطوم انتشارا كثيفا للشرطة. وأقفلت الأحد المصارف والصيدليات والمطاعم وصالونات الحلاقة والغالبية العظمى من المحال التجارية سواء بسبب الإضراب العام أو الخوف من أعمال العنف أو تعذّر الوصول إلى مكان العمل بسبب العوائق والمتاريس.

وفي أحد الأزقة يحاول شبان قطع الطريق بواسطة الحجارة وغيرها من العوائق.

ويروي أحدهم ويدعى خالد أبو بكر لوكالة فرانس برس "كنا قد أقفلنا الشارع ليلا. جاؤوا (عناصر الأمن) وأطلقوا النار في الهواء".

ويتابع طالب الهندسة الميكانيكية البالغ 20 عاما "فتحوا (الطريق) وأقفلنا وفتحوا وأقفلنا... في حركة قط وفأر"، مؤكدا أن "هذه المتاريس" ليست "موضوعا شخصيا"، الهدف منها إعاقة التوجه إلى مكان العمل، ومضيفا "لو لم نقم حواجز لكان يمكن للناس ان يذهبوا الى اعمالهم في شكل طبيعي".

ويهتف رفاقه من خلفه "السلطة للمدنيين" مرددين أحد شعارات الحركة الاحتجاجية.

وتتوقف سيارة بيضاء أمام العوائق التي يرفض المتظاهرون إزالتها فيترجّل سائقها بهدوء.

ويقول إسلام زكريا البالغ 42 عاما مواصلا طريقه سيرا إن المتاريس ضايقته بادئ الأمر و"هي من ناحية مزعجة".

ويتدارك "لكنها (طريقة) تعبير الناس عما في داخلهم"، معتبرا أن ما من طريقة أخرى أمام الشباب للتعبير عن ضرورة تغيير الأوضاع.

وتعتبر السلطة أن من يقطعون الطرق يثيرون "الفوضى"، وقد دعا نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" السودانيين إلى التعاون مع قوات الأمن لإزالة المتاريس من الطرق.

ويقود دقلو "قوات الدعم السريع" التي تّتهمها الحركة الاحتجاجية بشن حملة القمع ضدها. وهو اتّهم القيّمين على "العصيان المدني" بعرقلة سير الحياة اليومية للمواطنين.

وكانت "قوات الدعم السريع" التي يعتبرها البعض "نسخة جديدة" من ميليشيات دارفور شبه غائبة صباح الأحد في شمبات، لكن شهود عيان قالوا إنهم رصدوا عدة دوريات لها في أنحاء أخرى من العاصمة السودانية.

ويؤكد فائز عبدالله البالغ 18 عاما أنه غير مقتنع بما تقوله السلطات، ويقول أثناء انتظاره في طابور أمام أحد مخابر شمبات إن الطابور الطويل "ليس بجديد"، مضيفا أن الطوابير بدأت تتشكل أمام المخابز عندما بدأت أزمة الرغيف التي "جعلت الناس ينزلون الى الشارع".

ولدى محاولة سائق عربة "توكتوك" عبور أحد المتاريس يتوجّه إليه أحد الشبان حاملا عصا طويلة، لكن رفاقه يسارعون لاحتواء الوضع وتفادي التضارب عملا بدعوات قادة الحركة الاحتجاجية الى التزام سلمية العصيان المدني.