العمل قبل بلوغ مرحلة انهيار عملية السلام

بقلم: عاطف الغمري

تمر القضية الفلسطينية الآن بمرحلة جديدة، تختلف عن المراحل السابقة التي عرفت بمفاوضات عملية السلام، وكانت في حقيقتها إدارة لهذه العملية، دون أن يظهر أي دليل حقيقي على أن السلام هو غايتها. وهذا لم يمنع من استمراريتها.

أما المرحلة الجديدة فربما تؤدي إلى انهيار عملية السلام كلية. والنقطة الحرجة التي قد تمثل الصخرة التي تصطدم بها عملية السلام قبيل انهيارها، بشّر بها نتنياهو الإسرائيليين، بنيته ضم الضفة الغربية لإسرائيل، استكمالاً لخطوات إغلاق ملف السلام، بعد ضم القدس لإسرائيل، ثم ما تلاها من قرار ضم الجولان.

هذه التصرفات لا تخاطب عقول المتصلين بعملية السلام، والمهتمين بها، ولكنها تصدر عن أطراف تكتفي بأن تخاطب نفسها، ومن ثم فهي لا تتوقع جدلاً أو اعتراضاً، حدث هذا حين أعلن ترامب أنه استمع إلى من حدثوه عن تاريخ هضبة الجولان، قبل اتخاذ قراره بسيادة إسرائيل عليها. وكانت الأسماء الثلاثة للتي تلقى منها معلوماته التاريخية، من اليهود المناصرين لكل ما تدعيه إسرائيل عن حقوق لها في المنطقة.

وحدث أيضاً عندما وقف نتنياهو يلقي خطاباً أمام المؤتمر السنوي لإيباك في واشنطن، ويزيف حقائق التاريخ، وهو يقول إن مصر وقعت اتفاقات السلام مع إسرائيل؛ لأن إسرائيل هزمتها في حرب 67، وهي أقوال كذبه فيها فايتسمان الرئيس الأسبق لإسرائيل، في مؤتمر صحفي في واشنطن، وكنت حاضراً هذا المؤتمر، كما كذبه جيمس شليزنجر وزير الدفاع الأمريكي وقت حرب 73، والذي أقر صراحة في مؤتمر بواشنطن عام 1998 بأن الجسر الجوي الأمريكي هو الذي أنقذ إسرائيل من الهزيمة.

ثم يعود نتنياهو هذه الأيام ليقول، إن من حق إسرائيل أن تكون لها أي أرض أخذتها في «حرب دفاعية»، بينما كل الوثائق الأمريكية والإسرائيلية التي خرجت إلى العلن بعد سنوات من حرب 67، تؤكد أن إسرائيل هي التي بادرت بالعدوان الذي خططت له من قبلها بسنوات.

الوضع الذي يحدث فيه هذا الانحراف الإسرائيلي بعيداً عن السلام، له أسبابه. فاليمين المتطرف هو الذي يحكم إسرائيل الآن.

وبعد أن كان حزب العمل هو من يحكم إسرائيل منذ قيامها، وهو أقرب إلى اليسار بمفاهيمه، وكان تيار الوسط هو الأقوى حزبياً في منتصف التسعينات، فإن اليمين ازداد قوة، وصارت صورة اليسار شاحبة تماماً.

وزاد من تضخم اليمين، التحيز الكامل من الرئيس ترامب لنتنياهو وسياساته؛ بل وأطماعه في الأراضي الفلسطينية التي تمددت إلى هضبة الجولان السورية.

وأيضاً ما طرأ من تطور في القوى الصهيونية في الولايات المتحدة، من بروز دور ائتلاف المسيحية الصهيونية والتي تمثل 25% من أصوات الكتلة الانتخابية في أي انتخابات تجرى، وهؤلاء أشد تطرفاً في مساندة إسرائيل والعداء للعرب، بشكل يفوق دور الإيباك المساند لإسرائيل، إلى الدرجة التي جعلت نتنياهو يقول: إننا لم نعد نحتاج لإيباك كقوة داعمة لنا. ثم إن من أقطاب هذا الائتلاف من أصبحت له قوة ونفوذ داخل البيت الأبيض وعلى رأسهم مايك بنس نائب الرئيس.

ما دام الأمر على هذا النحو، وما دامت الشواهد تنذر باحتمال انهيار عملية السلام، فهل نحن سننتظر حتى يقع هذا الأمر، أم إن أمامنا كعرب، سبل يمكن التحرك عن طريقها؟

إن الولايات المتحدة ليست هي البيت الأبيض فحسب، فهي دولة يتسم نظامها السياسي بالتعقيد، وبتعدد القوى المالكة للضغوط على صانع القرار. لكن هذا يحتاج من أصحاب المصلحة السعي نحو هذه القوى ووضع الحقائق أمامها، وإن هذا التحيز المطلق لأطماع إسرائيل، في خروج على الشرعية الدولية، وعلى التزامات سابقة لرؤساء أمريكا، لن يضر بالفلسطينيين والعرب وحدهم؛ بل إنه سيضر أيضاً بالمصالح الأمريكية، وبمصداقية الولايات المتحدة، كدولة سبق أن وصفت نفسها بالوسيط النزيه في عملية السلام.

هناك شخصيات سياسية منهم سفراء سابقون في الدول العربية، يرفضون التحيز الأمريكي لإسرائيل، دون مراعاة لما قد يمثله من تعارض مع مصالح الأمن القومي الأمريكي.

وهناك قوى يهودية، مثل منظمة «جي ستريت» وغيرها، ترى أن حل الدولتين، وإقرار الحقوق الفلسطينية، هو السبيل لحماية الإسرائيليين أنفسهم من مستنقع يجرهم إليه نتنياهو.

هؤلاء وغيرهم يحتاجون للتواصل معهم، والتفكير معاً في التحرك الفعال في الولايات المتحدة، فضلاً عن أطراف دولية تتمسك بالشرعية القانونية للحل الفلسطيني، مثل الاتحاد الأوروبي، ودول عديدة في آسيا، وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكن ذلك تلزمه خطة استراتيجية عربية أولاً للتحرك، ووقف هذه الهجمة غير الشرعية، وغير القانونية، على مصالح فلسطينية وعربية ثابتة ومعترف بها.