الرفض الفلسطيني لمؤتمر البحرين الاقتصادي له ما يبرره

بقلم: الدكتور محمد حسين المومني

إرباك سياسي كبير أحدثه قرار السلطة الفلسطينية عدم المشاركة بمؤتمر البحرين الاقتصادي. المؤتمر دعت إليه الولايات المتحدة من أجل الدفع بمبدأ التعاون الاقتصادي الإقليمي الذي يمثل من وجهة النظر الأميركية المدخل المتاح مرحليا والأهم للسلام. القرار الفلسطيني جاء معللا بأسباب عدم التشاور وعدم الاطلاع على المدخلات والمخرجات المتوقعة، وهي عناصر كان وجودها سيمكن الفلسطينيين من طرح مطالبهم السياسية، وفهم الإطار العام الذي سيتموضع به المؤتمر المنشود، وكيفية تماهي ذلك مع الطموحات الفلسطينية السيادية.


الرفض الفلسطيني ليس نهائيا كما يتضح من أسبابه، ولكنه شكل محطة وحالة عميقة ذكرت الجميع، بما في ذلك القائمين على المؤتمر، أنه لا يمكن تجاوز الفلسطينيين ولا قرارهم، وأن السير بالعلاقات مع العرب وكثير من المسلمين يكون عبر البوابة الفلسطينية، ورهنا بالتقدم لإحقاق العدالة للشعب الفلسطيني المعرّفة بوضوح بقرارات الشرعية الدولية.

القرار الفلسطيني فتح أعين العالم على القوة السياسية والمعنوية الكبيرة التي يمتلكها الفلسطينيون القادرون على تثبيط الكثير من التعاون الإقليمي إذا ما كانوا على هامشه أو جاء على حساب طموحاتهم الوطنية.


طريقة عمل الإدارة الأميركية على صفقة القرن، والتحضير لمؤتمر البحرين، يدلل على فهم مغلوط وخطير للدور الفلسطيني في معادلة السلام. الاعتقاد للقائمين على الملف، فيما يبدو، أن الدور الفلسطيني ثانوي ويمكن تجاوزه إذا ما توافرت بدائل عربية للانخراط بالعلاقة مع إسرائيل. يعلم أي مبتدىء في أبجديات النزاع العربي الإسرائيلي أن الدور الفلسطيني حاسم وأصيل ولا يمكن لأي كان تجاوزه لا منطقيا، ولا براغماتيا، ولا أخلاقيا. الإدارة الأميركية في ردة فعلها على القرار وجهت اللوم للفلسطينيين على أنهم لا يتقنون إلا الرفض لأي مبادرة، ولا أدري كيف يمكن لأي عاقل أن يتوقع فرحا فلسطينيا بحضور المؤتمر في ضوء قرار نقل السفارة للقدس ووقف التمويل الأميركي للأونروا، وفي ضوء عدم التفاهم مع الفلسطينيين بشأن المؤتمر في الأصل.

حتى الدول التي وافقت على الحضور ستجد نفسها في حالة فتور شديد إذا لم تتحقق المشاركة الفلسطينية. 
لكن ماذا لو تمت الدعوة للفلسطينيين أصوليا وتمت الاستجابة لمطالبهم بالتشاور والاطلاع على الحيثيات؟ التوقعات عندها ستكون بمشاركة الفلسطينيين الذين سعوا دائما إلى التعاون والانفتاح كنهج استراتيجي حقق بالفعل الكثير من المكتسبات لهم. من الواضح أن نهج السلطة والقيادة الفلسطينية لا يمانع المشاركة في هذا المؤتمر أو غيره من المؤتمرات، ولكن ضمن إطار واضح وأهداف جلية، وتعريف لعلاقة ذلك بالمطالب السيادية للشعب الفلسطيني.

بناء الدولة تحت الاحتلال حتى تصبح واقعا لا يمكن لأحد تجاوزه شّكل الرؤية الاستراتيجية الفلسطينية الحديثة بأعمق تجلياتها، لذلك فمن الطبيعي أن تشارك في العديد من المؤتمرات إذا ما كانت ستساهم بإحقاق تلك الرؤية. لكن إن كانت المؤتمرات ستمثل حالة من التجاهل لمطالب الفلسطينيين المشروعة أو تشتيتا عن أهدافهم الاستراتيجية العادلة، فلا أحد يجب أن يتوقع من الفلسطينيين، ومن خلفهم الكثيرين، المشاركة.