في ذكرى رحيل أمير القدس فيصل الحسيني

بقلم: راسم عبيدات

حينما تخسر القدس من يحبها وتحبه، تخلص في العطاء وحفظ الذكرى لمن هم أهلها، ويبقى اهلها بكل مكوناتهم ومركباتهم السياسية الوطنية والمؤسساتية والمجتمعية مختلفين او متفقين معه في الرؤيا والفكر، حافظين له دوره ومكانته ونضالاته وتضحياته ورمزيته التي مثلها، وتخرج في وداعه عن بكرة أبيها، ولعل من الجنازات الكبرى التي خرجت في القدس، جنازات الشهداء عمر القاسم ومصطفى العكاوي، والدكتور احمد المسلماني، ولكن ما اعتقده بان جنازة امير القدس الراحل فيصل الحسيني، كانت الأضخم والأكبر، حيث القدس خرجت عن بكرة أبيها لوداع قائدها وفارسها الذي احبها واحبته.

الجميع يُجمع حتى من تأمروا على فيصل وحاولوا عرقلة عمله في القدس وخلقوا له المرجعيات الموازية، وحاولوا إيجاد العناوين والبدائل للحد من دوره وتأثيره وصلاحياته وشبكة علاقاته وإتصالاته، بأن رحيله شكل خسارة لكل المقدسيين، فهو مثل حالة إجماع مقدسي نادرة وقاسما مشتركا لكل المكونات والمركبات الوطنية السياسية المقدسية، وبالتالي كان قائداً وطنياً بامتياز، بدلالة انه من بعد رحيله،لم يستطع أي قائد مقدسي ان يملأ الفراغ او المكان الذي تركه خلفه، وربما ان الزمن الحراشي وحالة الضعف الفلسطيني السبب في وضعناهذا.

هناك من يعتقد بان الراحل الحسيني تبوأ مركزه او مكانته من خلال إرث وتراث ووطنية والده القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، وسمعة عائلة الحسيني الطيبة، أو لكونه احد أبناء عائلات القدس العريقة، واعتقد انه حصل على موقعه ومنصبه عن جدارة في سياق صيرورة عملية كفاحية نضالية مجتمعية وجماهيرية متواصلة، فهو على الصعيد الشخصي امتلك "الكاريزما" القيادية، وابتعد الى حد كبير عن الفئوية، وكان حاضنة وعنواناً توافقت عليه كل مركبات ومكونات العمل الوطني والسياسي والمجتمعي الفلسطيني، حيث وجدت في مؤسسة بيت الشرق التي يقودها، عنوانا سياسيا تستطيع من خلاله مخاطبة سفراء الدول الأجنبية والزوار من الوفود الأجنبية، لكي تطلعها على ما تتعرض له مدينة القدس من إجراءات قمعية وإذلالية وتنكلية بحق اهلها الفلسطينيين من قبل دولة الإحتلال، وما يقوم به هذا الإحتلال وبلديته ووزارة داخليته من اعمال وتعديات وتجاوزات وخروقات بحقهم خارجة عن القانون الدولي، وتشرح لها كل ما يتصل ويتعلق بالموقف الفلسطيني من مجمل قضايا المنطقة وفي مقدمتها الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

الحسيني بطيبته وبساطته واخلاقياته المثالية التي تربى عليها في بيته وحركة القوميين العرب التي انتمى اليها باكراً وعدم تلوثه بالفساد، وقربه من الناس وهمومهم وتطلعاتهم،ومشاركتهم في أتراحهم واحزانهم، والوقوف على تفاصيل حياتهم، وكذلك المساهمة الجادة في إيجاد حلول لهم لما يتصل بمشاكلهم في العلاقة والصراع على الوجود في القدس مع الإحتلال،جعلت هذا الرجل يمتاز ويتميز عن غيره ممن عهد اليهم بقيادة ملف القدس من بعده.

فالقدس سكنت في عقله وقلبه كمقدسي أصيل، كان جل إهتمامه بان لا نخسر معركتنا في صراعنا مع المحتل على المدينة، هذا المحتل الذي يملك من الطاقات والإمكانيات والقدرات عشرات،بل مئات أضعاف ما نملك. ولذلك كان حريصا على ان يوفر للمقدسيين أقصى ما يستطيع من مال وإمكانيات وحلول تمكنهم من الصمود والبقاء،حتى انه في اكثر من محطة ومناسبة وقضية وضائقة لجأ لاقتراض الأموال من اجل المصالح العامة للمقدسيين، وكان بيته ومكتبه محجاً لكل أبناء الشعب الفلسطيني حتى من خارج مدينة القدس، حيث كان يتوسم فيه أبناء شعبه الخير والعطاء، ولذلك كان دوماً عنوان توحيد وتجميع، لا عنوان فرقة وإنقسام، شعاره الدائم القدس فوق الجميع، والقدس تجمعنا وتوحدنا.

مع رحيل الحسيني، يتفق الكل في القدس على انهم اصبحوا أيتاماً، لا عنوان او مرجعية لهم، رغم وجود اكثر من عشر مرجعيات وعناوين تنطق باسم القدس،ولكنها للأسف ليست محط ثقة وإجماع وإحترام المقدسيين، بل ينظر لها المقدسيون على انها مسميات ومؤسسات بدون مضامين او فعل جدي وحقيقي، استحدث البعض منها من اجل حل خلافات وإشكاليات ومواقع لهذا القائد او ذاك، ليس لها علاقة او حضوراً او مساهمة في معالجة جادة وحقيقية لما يواجهه المقدسيون من حرب شاملة تشن عليهم من قبل دولة الإحتلال وبلديتها ودائرة معارفها واجهزتها المختلفة امنية ومدنية،من اجل طردهم وتهجيرهم عن مدينتهم، عبر مجازر ترتكب بحق البشر والحجر والشجر، مجازر الإقتلاع والطرد والتهجير القسري، وخنقهم حتى في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، ودفعهم نحو الإحتراب العشائري والقبلي والطائفي والجهوي، وتفكيك وتدمير نسيجهم المجتمعي والوطني، وأسرلة وعي أبنائهم الطلبة و"تطويعه" و"صهره"، عبر فرض منهاج التعليمي الإسرائيلي عليهم بالكامل من المرحلة الإبتدائية.

إن من يتحمل المسؤولية المباشرة في تعدد العناوين والمرجعيات،وحالة "التوهان" والضياع التي يعاني منها المقدسيون، نتيجة التضارب والتنافس فما بينها، هو المستوى السياسي ممثلاً باللجنة التنفيذية وقيادة السلطة الفلسطينية، والتي تمتلك القرار والصلاحية، في توحيدها ووقف حالة التشرذم والتعددية فيها، وتبديد وهدر المال العام على مثل هذه المرجعيات،التي لا يلحظ لها أي فعل وعمل جدي لخدمة أبناء المدينة، وبالذات القرى والبلدات الواقعة تحت مسؤولية وسيطرة بلدية الإحتلال، ومن هنا أقول بانه آن الاوان لكي يتم وضع النقاط على الحروف،بان تتحرك المرجعيات السياسية لكي تستجمع كل الإمكانيات والطاقات، عبر مرجعيتين او ثلاث على الأكثر، تتفرع عنها عناوين ولجان ذات إختصاص، فالمقدسيون وصلوا حالة الكفر،ب كل ما هو قائم، ويعتبرون بأنهم أصبحوا فئران تجارب ومصدر رزق ودخل و"شحدة" و"تسول" للبعض ولكن دون ان يقدم لهم من دعم ومال وإمكانيات وحتى مواقف سياسية، بما يمكنهم ويعزز صمودهم وبقاءهم.

في الذكرى الثامنة عشرة لرحيل امير القدس وفارسها، نقول آن الآوان لنا كمقدسيين ان نغادر لغة الندب والبكاء والتشكي، وان نستجمع كل طاقاتنا وإمكانياتنا ونوحد جهودنا عبر مرجعية شعبية علنية يجري فرضها على صناع القرار بان تكون العنوان التمثيلي لأهل القدس، فيما يتصل بهمومهم ومشاكلهم اليومية، فالقدس تهود وتؤسرل في تسارع غير مسبوق، ولن ينفعنا ولن يفيدنا،استمرار الجدل البيزنطي حول جنس الملائكة ذكر أم انثى... فالخطر داهم،جدي وحقيقي،وحكومة الإحتلال من بعد قرارات المتصهين ترامب، تستثمر سياسياً قراراته، من اجل تهويد المدينة وأسرلتها وتغيير طابعها وواقعها الجغرافي والديمغرافي لمصلحة المستوطنين،وبما يُقصي الوجود العربي الفلسطيني في القدس من خلال قوانين وتشريعات عنصرية يتقدمها ما يسمى بقانون أساس القومية الصهيوني وقانون المواطنة والدخول الى دولة الإحتلال.

قادة الإحتلال يقولون بان القدس لنا موحدة غير مقسمة وعاصمة أبدية، والتهويد يتم بالأقوال لا بالأفعال، ونحن مستمرون في رفع الشعارات وبيانات الشجب والإستنكار و"الهوبرات" و"الزعبرات" الإعلامية، بان القدس عاصمتنا الأبدية، والقدس خط احمر، دون ترجمة فعلية لذلك على الأرض، فهل نصحو مما نحن فيه وننقذ قدسنا من الضياع؟ ام نستمر في جدلنا البيزنطي ؟!