مجرد الرفض ليس ردا كافيا

بالمختصر ... وربما المفيد

مجرد الرفض ليس ردا كافيا

بقلم : ابراهيم دعيبس

في كثير من مواقفنا التاريخية كنا نكتفي بالرفض ولا نفعل شيئا عمليا. وكان الرفض عموما مجرد موقف نظري بلا أي مضمون حقيقي، وكنا صادقين ومحقين في الرفض ولكن بلا اية نتائج وبدون اي اعتبار للواقع والمعطيات.

رفضنا قرار التقسيم، وكانت النتائج اسوأ ورفضنا زيارة الرئيس السادات لاسرائيل والمفاوضات بعدها، ثم اكتشفنا اننا خسرنا اكثر وآخر هذه اللاءات كانت ضد صفقة القرن التي يتبناها الرئيس ترامب، ويعمل جاهدا على تطبيقها وتساعده دول عربية.

بعد ان رفضنا قرار التقسيم رضينا بحدود ٦٧، ثم وافقنا على تبادل للاراضي من ناحية مبدئية، أي شيء آخر غير حدود ٦٧.

ونحن ما نزال نتحدث عن اشياء هي اقرب الى الخيال منها الى الواقع، وما يزال المنطق السياسي النظري او المبدئي هو الذي يحكمنا بدون اي اعتبار لكل الوقائع والامكانات. وانا اعتقد، وقد اكون مخطئا، اننا بحاجة الى التعامل بواقعية مع الامكانات والظروف بدون التفريط المبدئي بالحقوق ولو بعد حين. نحن نواجه مرحلة صعبة للغاية واصعبها واسوأها، هو هذا الانقسام الداخلي وبدل احاديث الرفض والممانعة الخيالية هذه، علينا ان نتجه الى اعادة الوحدة الوطنية والارتفاع فوق المصالح الفئوية الضيقة.

ان المواطن الفلسطيني ارهقته المواقف النظرية هذه، وهو يبحث عن شيء عملي واقعي ولو مرحليا. اتذكر هنا بن غوريون حين وافق على قرار التقسيم وثار ضده غلاة المتطرفين وعلى رأسهم بيغين وقد رد عليهم قائلا ان المناطق التي لم يشملها التقسيم باقية محلها وسيجيء اليوم الذي تكون فيه تحت سيطرتنا. لقد كان بن غوريون يتعامل مع الواقع دون التفريط بالمبادىء التي يؤمن بها ... ونحن اليوم بحاجة الى التعامل مع الواقع حتى يجيء الوقت ونمتلك القدرة على استعادة الحقوق كاملة لان مجرد الرفض كما نرفض مؤتمر البحرين، ليس ردا كافيا ولا حلول فيه .. وهو على العموم موقف سهل والاصعب هو مواجهة الحقائق والامكانات والتعامل معها بمنطق وواقعية بدون الركض وراء السراب .. !!

وتبقى ملاحظة اخيرة هامة للغاية وتتعلق بأهمية وضرورة تفعيل القيادات وتغييرها حتى لا تنغلق كل الافاق ويسود الاحباط خاصة ونحن نواجه عالما عربيا منقسما ومترهلا ومشغولا بقضاياه الداخلية وحروبه الطائفية، ونرى عالما لا يفهم الا لغة القوة السياسية والاقتصادية والادارية والمصالح الذاتية، ولو على حساب الاخرين وقد «اخترعوا» العدو الايراني لكي يبتعد التفكير عن السرطان الاحتلالي الاسرائيلي .. !!

فيصل الحسيني ... كم تفتقده القدس اليوم !!

فيصل الحسيني الذي تحل في نهاية هذا الشهر الذكرى الثامنة، عشرة لرحيله، كان بدون اي مبالغة، شخصية تاريخية مميزة بالقدس والنضال من اجل القضية الوطنية.

كان شخصا بسيطا طيبا ومتواضعا، وكان قياديا مسموع الكلمة كان «بيت الشرق» في ايامه قلعة وطنية يلجأ اليها الجميع باحثين عن حلول لمختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية الشبابية وغيرها، وكان استكمالا لدور والده القيادي عبد القادر الحسيني.

اشترك في حركة القوميين العرب اثناء دراسته بالقاهرة وبتأسيس المنظمة الطلابية الفلسطينية التي اصبحت لاحقا نواة لمنظمة التحرير. وشارك بالمفاوضات بكل مراحلها، واعتقلته اسرائيل وسجنته اكثر من مرة وتعرض لمحاولتي اغتيال ... الى ان وافته المنية في ٣١ ايار ٢٠٠١ وهو في الكويت يحاول ازالة الخلافات الفلسطينية الكويتية بعد تأييد ابو عمار للرئيس صدام حسين واحتلال الكويت ومن المصادفات ان هذا الفلسطيني النموذج كانت ولادته بالعراق ووفاته بالكويت وهو الفلسطيني الاصيل.

وكان تشييع جثمانه من رام الله الى القدس حدثا تاريخيا لا سابق له، وتدفقت الجماهير الى القدس والحرم القدسي حيث تم دفنه بجوار أبيه وجده.

مع فيصل الحسيني نتذكر الانتفاضة الاولى والتكافل الاجتماعي الشامل في حينها، وكان هو احد قادتها، وكيف كان التزام الناس في كل مواقعهم وبكل مواقفهم، بالبيانات التزاما كاملا تجاريا وتعليميا ومواصلات وغيرها.

هذا الكلام ليس فيه اية مجاملة وانما هو تعبير عن حالة وقيادة نحن احوج ما نكون اليها في هذه المرحلة من حياتنا السياسية ... والقدس حاليا هي احوج ما تكون اليه وامثاله، بكل ما كان يمثله من صدق واخلاص ووطنية واحترام من الجميع.

لا بد من القول اخيرا، ان فيصل الحسيني اختلف في احدى المراحل مع الرئيس ابو عمار لانه كان صاحب موقف وصدق وموضوعية، لا صاحب مناصب ومجالات ونفاق!!

التخلف الاجتماعي .. والعقلية القبلية !!

هذه قد تكون المرة العاشرة التي اتحدث فيها عن ظاهرة التخلف الاجتماعي والعقلية القبلية والعشائرية التي تسيطر على التفكير العربي بصورة عامة، وذلك لاننا نرى الاحداث تتكرر ولا يكاد يمر يوم دون وقوع اقتتال او خلافات عشائرية واشتباكات واحيانا سقوط ضحايا.

قد يختلف اثنان لاسباب بسيطة وتبدأ الهواتف تشتغل ويتصل كل واحد بعائلته وتفزع القبائل حتى دون معرفة الاسباب او بدون سؤال عن الاسباب، ويتسع القتال وثم يبدأ بعد ذلك الدور العشائري وأخذ العطوات وكل ما يتعلق بذلك.

السؤال كيف نواجه هذه الحالة وكيف ننعش روح التسامح والتعاون والمحبة والتفاهم؟ والجواب ليس سهلا ولكنه يبدأ من البيت والمدرسة وبالتالي المجتمع عموما. ان ربينا ابناءنا وبناتنا على التسامح واحترام الاخر وان كان ذلك جزءا رئيسيا من سبل التعليم المدرسي ..

التعليم ليس مجرد .. تحفيظ وتسميع

كثرت الاحاديث عن اجراءات اسرائيلية متواصلة ضد التعليم الفلسطيني بالقدس سواء بالمناهج او اعداد المدارس، وقد تحدث عن ذلك كثيرون عبر الصحف او التواصل الاجتماعي.

وبعد تجربة طويلة ومتابعة واسعة لهذا الموضوع تأكدت ان التعليم ليس بالكتب نفسها وانما بمضمونها واساليب تدريسها، والاحتلال لن يستطيع تهويد العقلية حتى وان سعى الى تهويد المدارس والمناهج، فالفلسطينيون بالداخل يدرسون المناهج الاسرائيلية كاملة ولكنهم لا يفكرون بالعقلية الاسرائيلية وانما العكس تماما.

ان التعليم ليس مجرد تحفيظ معلومات وتسميعها ولا هو مجرد مدرسة وكتاب وانما تفكير واساليب ومعلمون وبيوت واهالي وحياة ومجتمع، ونحن نعاني من مشاكل تعليمية وتربوية واسعة في كل انحاء الوطن العربي، ونحن جزء منه، التعليم يعاني من ازمة التسرب ، والتعليم الجامعي يعاني من البطالة المتفشية ...والصلاح يبدأ من الرأس ومن اعادة صياغة التفكير والعقلية والمفاهيم ... واصلاح المجتمع ... !!