ندوة المنامة بين الممانعة والمشاركة

الأحد...وكل يوم أحد

ندوة المنامة بين الممانعة والمشاركة

بقلم: المحامي زياد أبو زياد

لا شك بأن الحديث عن القضية الفلسطينية يتطلب الأخذ بالإعتبار عدة عوامل مجتمعة تحدد ملامح مستقبل هذه القضية ولا يجوز التمحور في عامل واحد والتغاضي عن العوامل الأخرى. فالقضية تعدت منذ البداية كونها قضية صراع بين العرب واليهود في فلسطين نتيجة تدخل دول بعينها لصالح اليهود تنكرت لحقوق الشعب الفلسطيني ، ومن بعد ذلك دخل العامل العربي فالدولي الأممي ثم المصالح الاحتكارية الاقليمية والدولية الى أن وصلنا ما وصلنا إليه هذه الأيام والذي بات يهدد بشكل جدي جدا ً بتصفية هذه القضية لصالح إسرائيل إن لم نحسن استيعاب المتغيرات من حولنا واستطلاع المستقبل والتفكير غير النمطي لتحديد مسارنا نحو الهدف الذي نصبو إليه..

وفي هذا السياق أقول بأنه لا يكفي أن نقول ماذا نريد وإنما علينا أن نعمل ما يكفي لأن يوصلنا الى ما نريد وإلا بقينا على الرصيف بينما يبتعد القطار عنا الى ما وراء الأفق. فإعلان الموقف هو شيء والعمل الى تحويل الموقف المعلن الى حقيقة على الأرض هو شيء آخر.

فموقف القيادة الفلسطينية التي تتصدر المشهد في هذه المرحلة معروف للقاصي والداني وهو المطالبة ب " دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 عاصمتها القدس العربية وحل عادل لقضية اللاجئين حسب قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 194."

والسؤال هو: ما الذي تعمله هذه القيادة من أجل الوصول الى هذا الهدف. والجواب المهذب على هذا السؤال هو أن كل ما تعمله هذه القيادة لا يكفي لتحريك الوضع قيد أنملة الى الأمام. فلا يكفي أن نكون مقتنعين بعدالة قضيتنا ومتمسكين بحقوقنا إذا كان ما يحدث على الأرض من قضم مستمر ومتواصل لحقوقنا سيجعلنا نكتشف في لحظة قادمة أنه لم يبق شيء نتحدث عنه.

وأنا لا أزاود على أحد، ولكني أقول بأننا تخلينا عن كل الوسائل التي كان يمكن أن توصلنا ولو الى جزء من حقوقنا. فقد تخلينا عن الكفاح المسلح وتخلينا عن المقاومة الشعبية السلمية وتخلينا عن العمل المكثف على ساحة المؤسسات والمنظمات الدولية ولم نعد نعمل سوى البيانات والتصريحات والزيارات المكوكية للعواصم العربية وبعض العواصم الدولية وأصبحنا نستجدي العالم أن يأتينا بدولة. ونحن نعلم بأن العالم لا يحترم الضعيف ولن يأتينا إلا ببعض الدعم المادي الذي لا يسد الرمق.

وإذا كان هذا هو الحال فلسطينيا ، فالحال العربي مخجل ومحزن في آن واحد فقد تغيرت الصورة وأصبحت الدول العربية إما أنها تعيش حروب وصراعات داخلية أو محكومة بأنظمة راكعة أمام أمريكا وإسرائيل وكل ما يهمها هو رضاهما وهي لا تمانع في أن تعطي الضفة والقدس لاسرائيل وربما الأقصى أيضا. فلا رجاء من هذه الدول.

وأما إسرائيل فإنها تعمل وبشكل مكثف لاستعمار الأراضي المحتلة وزيادة عدد المستوطنين والمستوطنات بحيث تجاوز اليوم الستماية وخمسين ألفا من المستوطنين. وأصبح المستوطنون عنصرا ً أساسيا في الحياة السياسية الإسرائيلية وقوة انتخابية تركض وراءها جميع الأحزاب وأصبح من بين المستوطنين قضاة في المحكمة العليا ووزراء وأعضاء كنيست وضباط كبار في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية المختلفة ولم يعد هناك أي أمل بأن يكون هناك أي قائد إسرائيلي يستطيع إخلاء ولو بؤرة استيطانية واحدة بل بالعكس فإن ما يجري هو تثبيت البؤر الاستيطانية والمستوطنات والحديث علنا وعلى أعلى المستويات عن ضم المستوطنات لاسرائيل وخلق نظام فصل عنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت سمع العالم وبصره.

وأكثر من ذلك فإن ما يرشح من أنباء إسرائيلية يفيد بأن هناك ندوات وحلقات عصف ذهني يتم عقدها لمناقشة كيفية التخلص من العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ومن بين ما يناقش دون تردد هو كيفية جعل مستوى الحياة في الأراضي المحتلة من السوء لدرجة تضطر الفلسطينيين للهجرة الطوعية الى خارج الأراضي المحتلة ، وهناك منظمات تعمل سرا ً لتشجيع هجرة الفلسطينيين. ومما يُطرح أيضا في هذه الندوات والحلقات إمكانية طرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة الى دول الجوار بالقوة ، ومناقشة ما هي الأحداث التي يمكن افتعالها لتبرير مثل هذا الطرد والترحيل الجماعي للفلسطينيين ووضع سيناريوهات وخطط جاهزة للتنفيذ حين تسنح الفرصة لذلك.

كل هذا يجري ويتم الإعداد له ونحن ما زلنا لا نعمل شيئا سوى تسجيل المواقف ، الدولة والقدس و قضية اللاجئين و...و...و... عاجزين عن عمل أي شيء لجعل تلك المواقف قابلة للتنفيذ ، بل وأكثر من ذلك جعل المواطن الفلسطيني ومن خلال الضرائب والاقتطاعات المختلفة يدفع تكاليف احتلاله من قبل اسرائيل.

والأسوأ من ذلك هو أننا لا ندرك بأن استمرار وجود السلطة الفلسطينية هو مصلحة اسرائيلية مرحلية وحين استكمال المخططات التوسعبة الاستيطانية وانتهاء دور السلطة سيتم القضاء عليها بجرة قلم.

وأقول وللأسف الشديد بأن حل الدولتين لم يعد ممكنا ً في ظل الظروف والمعطيات الحالية فلسطينيا ً وعربيا ً وإقليمياً وأن خطر الترحيل والتطهير العرقي للضفة الغربية أصبح أكثر اقترابا ً منا ، أكثر من أي وقت مضى وأن أهم ما يجب أن تفكر به القيادة الفلسطينية الحالية ليس الدولة على حدود 67 لأن ذلك أصبح مستحيلا ً ، بسبب وجود الاستيطان والمستوطنات ، وإنما عليها أن تفكر أولا وقبل كل شيء في كيف يمكن التحلي بالإيجابية لتثبيت شعبنا في أرضه في هذه المرحلة وتعزيز صموده والتصدي لمحاولات وخطط اقتلاعه وتهجيره.

ومع إدراك أن قيام الدولة الفلسطينية الى جانب إسرائيل لم يعد أمرا ً ممكنا ً ، فإن من الواجب الوطني التمسك المطلق والثابت بحقوقنا المشروعة في أرضنا ووطنا ومقدساتنا من جهة ، وفي نفس الوقت عدم تفويت أية فرصة يمكن أن تعزز من صمود أهلنا وشعبنا. وهذا يتطلب درجة عالية جدا من الشجاعة والمرونة واستطلاع المستقبل والهروب الى الأمام وتجيير هذا الهروب لأن يتحول في المحصلة الى إنجاز ربح وليس خسارة.

بإمكان القيادة أن تعلن رفضها ل "صفاقة" القرن أو صفعته لأن كل ما صدر عن أصحابها يفيد بأنهم غير معنيين بقيام دولة فلسطينية تحت أي ظرف وبأي شكل ، ولكن عليها أن تفصل بين ذلك وبين أي عرض يمكن استغلاله لتعزيز صمود شعبنا في أرضه. فهذه المرحلة ليست المرحلة الموائمة لإقامة الدولة ولكنها اللحظة الموائمة جدا ً لتثبيت وتعزيز صمود شعبنا فوق أرضه الى أن تتغير الظروف والمعطيات الإقليمية التي ستكون في صالح الشعب الفلسطيني وقضيته وإقامة دولته الفلسطينية إن لم يكن على كامل التراب الفلسطيني فلربما على حدود قرار تقسيم 1947.

أقول هذا ونحن على أعتاب ندوة المنامة.

abuzayyadz@gmail.com