عربيا ... ليس سوى الأسوأ

بقلم : يوسف قطينة

تعيش الأمة العربية اليوم حالة من التردي والتشرذم والهوان والانقسام، لم تعشها منذ قرون خلت. وهذه الحالة تعيد الى الذاكرة الأوضاع الكارثية التي عاشها العرب في سنيهم الأخيرة في بلاد الأندلس، قبل أن يطردوا منها أذلاء مهانين مهزومين متفرقين أيادي سبا. وذلك عقب أن دخلها أجدادهم فاتحين منتصرين أعزاء مرفوعي الهامات، على يد القائد الفذ طارق بن زياد في الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك من عام ٩٢ للهجرة النبوية الشريفة.

طرد العرب من بلاد الاندلس شر طرده، بعد أن دب فيهم الخور والضعف والصراع على الحكم والنفوذ، ولم يجد العديد من أمرائهم وقادتهم حرجا في الاستعانة بالاعداء على أبناء جلدتهم، في صراعهم على السلطة والامارة. وهكذا كان خروجهم المذل المهين من هذه البلاد، بعد سقوط آخر إماراتهم في بلاد الاندلس، إمارة غرناطة، في الثاني من ربيع الاول من سنة ٨٩٧ للهجرة النبوية، وذلك عندما سلم ابو عبد الله الصغير آخر ملوك العرب في الاندلس مفاتيح غرناطة الى الملك فرديناند الخامس، وبذلك غربت شمس العرب عن الاندلس نهائيا، بعد أن اضاءتها ثمانية قرون.

ومأساة العرب أنهم لا يدرسون التاريخ، ولا يأخذ منه العظات والعبر والدروس، ولذلك يقعون في ذات الأخطاء القائلة التي وقع فيها آخر أجدادهم في بلاد الاندلس. فهم اليوم يقعون في ذات أخطاء اولئك من الاجداد من: التنازع والفرقة والانقسام والحرب الاهلية والصراع على الحكم، ولا يبالون في ذلك في تدمير بلادهم، وتشريد شعوبهم.

ولا يتورعون عن الاستعانة بأعدائهم في حروبهم ضد بعضهم بعض. وشعوبهم تدفع ثمن نزاعاتهم وصراعاتهم من مستقبلها ومستقبل أجيالها القادمة.

الأمم الراقية المتمدنة ترث تراث الآباء والأجداد وتزيد عليه، أذ لا تصون فقط، بل تضيف إليه الكثير، وتتخذ من ذلك التراث سبيلا للنهوض، وحافزا لمزيد من التقدم والصعود، إلا الأمة العربية اليوم، فإنها لم تزد على تراث الآباء والاجداد التليد، بل إنها دمرته ومزقته كل ممزق، وهي لا تأخذ من تاريخها القديم الصفحات المشرقة بل تأخذ منها سنوات الاختلاف والنزاع، كسبيل لزيادة الفرقة بين شعوب الأمة، فهي تستحضر النزاع السني الشيعي العائد الى قرون عديدة، من أجل تكفير بعضها بعض وقتل بعضها بعضا.

أنظر ماذا فعل عرب اليوم بالعراق وسورية وليبيا واليمن والصومال، ورثوا هذه البلاد عن أجدادهم العظام دولا ثرية، قوية، غاية في الرقي والتقدم، فأحالوها اليوم الى دول فاشلة، ممزقة، مشردة شعوبها، مبددة ثرواتها مهدرة كرامة شعوبها ومشردة في منافي الارض.

كانت هناك نكبة عربية واحدة، هي نكبة فلسطين، حصاد مؤامرات الاستعمار الغربي والصهيوني والتخاذل العربي والاسلامي، واصبحت اليوم هناك نكبات عديدة، نكبة سورية، ونكبة عراقية من قبلها، ونكبة يمنية، ونكبة ليبية ونكبة صومالية، ونضرع الى المولى عز وعلا ألا تكون هناك نكبة جزائرية وأخرى سودانية.

وأما الانقسام الأسود بين قطاع غزة والضفة الغربية، فكان نكبة فلسطينية ثانية بعد النكبة الأولى التي نعيش هذي الأيام ذكراها الحادية والسبعين، ورغم مرور اثنتي عشرة سنة على هذا الانقسام المشؤوم، فان لا يبدو له نهاية، بل تكرس وأصبح واقعا لا محيد عنه ولا حل له وما زال شعبنا الفلسطيني يدفع ثمن هذا الانقسام دماء أبنائه، ومن مستقبل أجياله.

بل إن الاعتداءات الاسرائيلية اليومية على الأرض وعلى الشعب تزداد يوما إثر يوم، وهاهو رئيس وزراء اسرائيل نتنياهو يستعد لإعلان ضم الضفة الغربية، بعد أن أخذ صكا على بياض من الرئيس الاميركي دونالد ترامب أن القدس والضفة الغربية هي أرض إسرائيل التوراتية، وقد سبق أن منحه ترامب هضبة الجولان السورية المحتلة.

لقد غدا العرب اليوم في حالة من السوء والهوان والتشرذم، أن لم يعد لهم سيطرة على اوطانهم، بل يهبها الغرباء لمن لا يستحقونها، ورغم كل ذلك فهم ما زالوا سادرين في حروبهم الأهلية ونزاعاتهم المذهبية وصراعاتهم العرقية.وهكذا أصبحت الوحدة العربية سرابا، وغدا الأمن العربي وهما، وغدا لا مستقبل لهذه الأمة التي فرطت بالأوطان وبالثروات وبالمقدسات وبالأعراض ، فلم تعد لها كرامة ولا هيبة، وأصبحت مطمعا ومطمحا لكل اعدائها.

والأمر المقلق والمرعب أنه لا يبدو ولو بقعة ضوء في نفق العرب المظلم هذا، فاليوم أسوأ من أمسهم، وغدا أسوأ من يومهم فلا شيء سوى الأسوأ.

عرب اليوم مزقوا كل الأواصر بينهم، وأهدروا كل وشائحهم، وغدوا فرقاء شيعا متناحرة متنازعة متعادية. فلا كبير يجمعهم، ولا حكيم يرأب صدعم، ولا رشيد يوحد كلمتهم، ولا عاقل يعيدهم إلى صوابهم، ولا غيور يلم شملهم، ولا ناصح ينهي فرقتهم.

لقد كانت السنوات الثماني الأخيرة، والتي زعم كذبا أنها «ربيع عربي» وبالاً على العرب جميعهم، ولا تزال نتائجها الكارثية تتفاقم يوما بعد يوم. فقد قتلت حروبهم الأهلية خلال تلك السنوات مئات الألوف، وشردت الملايين، ودمرت مجتمعات بأكملها، كما أحالت معظم تراث الأجداد الحضاري الذي لا يقدر بثمن الى اطلال وركام، دمرها التكفيريون الظلاميون كما باعوا كثيرا منها بأثمان باخسة لتمويل جرائمهم، ناهيك عن مئات المليارات التي انفقت لتمويل تلك الحروب الأهلية، التي لو أنفقت في محاربة الفقر والجهل والأمن والمرض والتعليم، لكانت الشعوب العربية تعيش في أحسن حالتها ، ولكان الفقر والجهل والزمن والمرض قد اختفوا او على الاقل قد تضائلت نسب انتشارهم الى حد بعيد.

إن ما جرى خلال تلك السنوات العجاف الثماني يؤكد صحة آراء ابن خلدون العالم العربي الكبير، الذي يعد مؤسس علم الاجتماع الحديث، والذي يعتبر من أشهر علماء الاقتصاد والتاريخ، حيث يقول في مقدمته الشهيرة: إن العرب مصدر خراب الأوطان، وان العرب أذا تغلبوا على أوطان أسرع اليها الخراب، ويعزو ذلك الى طبيعة العرب الوحشية، حيث استحكمت فيهم أسباب التوحش فصارت جبلة فيهم، أي طبيعة فيهم.

كما أشار ابن خلدون في مقدمته الى حب العرب الشديد للسلطة، حيث أن العربي يسعى الى الزعامة ويتوق اليها، ويعتبرها تشريفا لا تكليفا ويقول : إن العرب متنافسون في الرئاسة، وقل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره، ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته، إلا في الأقل وعلى كره.

ويقول ابن خلدون: وقد يشكل الزعيم في الدول العربية عبئا ثقيلا على الدولة بمتطلباته واحتياجاته، كما أن جميع من في الدولة يخضعون له، دون محاكمة او مساءلة لطريقته في الحكم.

وهذا تشخيص صحيح مئة بالمئة من ابن خلدون للزعامات العربية، وحرصهم الشديد على الزعامة، ولو كان ذلك على حساب الوطن، ونكتفي هنا بدليل واحد على صحة اقواله هذه، بالرئيس السوداني المعزول عمر البشير، الذي أحال السودان خلال خمسة وثلاثين عاما من حكمه الاستبدادي الى دولة فقيرة ممزقة، وأضاع نصفها الجنوبي الذي يختزن ثروات نفطية هائلة، وكان السودان لولا سياسات البشير، سلة العرب الغذائية، حيث الاراضي الشاسعة والمياه الغزيرة، والثروة الحيوانية الهائلة، ولكن الشعب السوداني لا يجد اليوم رغيف الخبز، جراء سياسات البشير الرعناء، وحرصه على الاستئثار بالسلطة.

كما يتحدث ابن خلدون عن استغلالهم للدين، حيث يقول: إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية. ويؤكد صحة هذه المقولة استغلال الإرهابين التكفيريين من القاعدة وداعش وأمثالهما للدين تبريرا لارتكاب جرائمهم حتى ضد أبناء جلدتهم السلميين، وكذلك فإن عمر البشير مزق السودان ودمره وشطره الى قسمين تحت شعار تطبيق الاسلام.

إن كل ما يجري في العالم العربي اليوم يؤكد أنهم عادوا الى حياة القبيلة، وعادوا الى التوحش كما يقول ابن خلدون، كل ذلك بسبب قصر نظرهم، وصراعاتهم على الزعامة وعلى كرسي الحكم، غير مبالين بتدمير دولهم وإحالتها الى دول فاشلة، وغير مهتمين باهدار ثرواتهم، وإضاعة مستقبل أجيالهم القادمة، حيث لا شيء اليوم وغدا عربيا سوى الاسوأ!!