ورش غرينبلات العالمية وعشاء الخليل!

بقلم: أحمد جميل عزم*

تستعد الإدارة الأميركية، لعقد “ورشة عمل” إقليمية تعقد يومي 25- 26 حزيران ، لمناقشة “تشجيع الاستثمار في المناطق الفلسطينية”. ولا يوجد أنباء عن محاولة دعوة الإسرائيليين أو الفلسطينيين إلى اللقاء، الذي سيجمع رجال اقتصاد واستثمار.

يمكن رؤية هذا اللقاء من منظارين، الأول أنّه مجرد لقاء يشبه لقاءات سابقة، جرت وانتهت “كفقاعة” ليس لها نتائج، سوى التغطية وإشغال الإعلاميين. والثاني، رؤية هذه الورشة، جنباً إلى جنب مع لقاءات يعمل الإسرائيليون في الضفة الغربية، على عقدها مع نفر من الفلسطينيين، يوافقون على اللقاءات. ومؤخرا تسلطت الأضواء على لقاءين واحد في الخليل والثاني في أريحا، لاستبدال السياسة بالاقتصاد.


بحسب صحف، منها "يديعوت أحرنوت"، الإسرائيلية، فإنّ “فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بقيادة صهره جاريد كوشنير، والمبعوث الإقليمي جيسون غرينبلات، يُظهر نية للتركيز على الفوائد الاقتصادية المحتملة”، ونقلت الصحيفة عن “مسؤول رفيع في إدارة ترامب”، أنّ الاجتماع الذي قد يعقد في البحرين، “من المؤمّل أن يعطي الناس إمكانية رؤية الفرص الاقتصادية إذا ما أنجزنا القضايا السياسية التي أخّرت المنطقة لوقت طويل”.


يمكن من زاوية ما، رؤية مثل اللقاء المزمع، إن عقد، امتدادا للقاء أو مؤتمر وارسو، الذي انعقد قبل خمسة عشر شهرا، في شباط 2018، في بولندا، تحت عنوان “السلام والأمن في الشرق الأوسط”، وقتها شارك رئيس الوزراء الإسرائيلي في لقاء، بدا فريدا من نوعه، بحضور ممثلين عن دول عربية وإقليمية، دون الفلسطينيين. ولكنه كان فريدا أيضا، من زاوية، أن إدارة ترامب أرسلت كبار مسؤوليها، بمستوى نائب الرئيس الأميركي، ووزير الخارجية، ومستشار الأمن القومي، ومندوبين آخرين، وفي المقابل امتنعت دول مدعوة، عن الحضور، وأرسلت دول، موظفين من مستوى أقل من المستوى الأميركي كثيرا.

وبعد خمسة عشر شهرا يبدو أن مؤتمر وارسو تبخر دون نتائج. 
بعد اجتماع وارسو، بشهر، في آذار 2018، عقد “فريق ترامب” المذكور، اجتماعا في البيت الأبيض، لبحث ما سمي “الأزمة الإنسانية في غزة”، ووقتها حضرت دول عربية، ولم يحضر الفلسطينيون، والآن بعد أربعة عشر شهرا، على هذا الاجتماع، لم يحدث شيء على مستوى إقليمي لأجل غزة.


انشغل الفلسطينيون في الأيام الفائتة، بما قيل أنّه حفل إفطار (عشاء) دعا له فلسطينيون لمستوطنين وقادة استيطان في منطقة الخليل. ونشرت وسائل إعلامية إسرائيلية وفلسطينية تفاصيل عن "الإفطار"، ومن الملاحظ من الصور التي نشرت للقاء أن عدد الإسرائيليين كان أكبر كثيراً من مضيفيهم، وأن الإسرائيليين من المُسنين، بينما مضيفوهم شبان قليلو العدد صِغار العمر نسبياً، والحديث كما يبدو عن أصوات منفلتة لفلسطينيين، بدون أدنى قبول شعبي، يتوهم المستوطنون أنهم قد يشكلون قيادة بديلة، وهو أمر تكرر على مدى السنوات، وفشل. وبحسب المستوطنين المشاركين في اللقاء الذي جمع فلسطينيين وإسرائيليين أسسوا ما يسمى “دائرة التجارة والصناعة”، فإنّ الهدف هو استبدال اتفاق أوسلو “بتعاون اقتصادي وإنساني ومناطق صناعية مشتركة واستثمارات اقتصادية”.

وبعد لقاء الخليل، عُقِدَ لقاء شبيه في منطقة أريحا، وأصدرت حركة “فتح” بيانا تستنكره، كما فعلت في الخليل. وهذه اللقاءات في الواقع تجري عادة بين “نفر” لا يعبر عن قوة سياسية تذكر، ولكن هذه المرة جرى تداول أنبائها علنا.


مثل هذه الورش الاقتصادية حول العالم، قد تبدو كما هي لقاءات الخليل وأريحا، لقاءات عابرة، وقد تبدو جزءا من مخطط لاستبدال السياسة بالاقتصاد وفرص العمل والتجارة. لكن على الأرض لا يجري شيء مهم، وهذه لقاءات لا ينتج عنها سوى الانشغال بها.


يبدو تأجيل “فريق ترامب” المتكرر منذ نحو عامين ونصف العام لخطة السلام، الموصوفة بأنها “صفقة القرن”، كأنّه قصة الراعي الذي كان يأتي دائماً ويكذب على أهل قريته، سواء للممازحة أو لسبب آخر؛ أنّ ذئباً أكل غنمه، فيهرع الناس معه، فيكتشفون كذبه، وعندما جاء الذئب حقاً، لم يصدقه أحد. الفرق أن الذئب غالبا، في حالة غرينبلات لن يأتي وغير موجود أصلا.

ما يفعله غرينبلات وفريقه، أشبه بالساحر الذي يؤدي حركات لتشتيت الانتباه عن الحيلة الحقيقية، (إخراج الأرنب)، والأرنب هنا هو الاحتلال والاستيطان.

* جامعة بير زيت - عن "الغد" الأردنية