لنرصّ الصف الفلسطيني في مواجهة "صفقة القرن"

بقلم:الدكتور عبد الستار قاسم

هناك تركيز إعلامي على ما يسمى "صفقة القرن"، ويتناول عدد من وسائل الإعلام الموضوع وكأنه على يقين من بنودها وأن هذه البنود يجري تطبيقها. وسائل الإعلام تثير الهلع في صفوف المواطنين وكأن حافلات ترامب جاهزة لتحميلنا من الضفة الغربية وغزة وإلقائنا في سيناء أو على شواطئ البحر الأحمر وخليج العقبة، أي في منطقة المثلث المصري السعودي الأردني!

مهلا، الأمور حتى لو كانت صحيحة، لا تتم هكذا.

يقول بعضهم إنه يجري تطبيق صفقة القرن منذ زمن، وإن الإجراءات الاسرائيلية المستمرة في نهب الأرض والبناء الاستيطاني ما هي إلا جزء من الصفقة. هذا غير صحيح لأن الإجراءات الاسرائيلية مستمرة منذ عام 1967، وإجراءات تهويد القدس بدأت منذ اليوم الأول لاحتلالها، وما يجري على مدى السنوات الأخيرة يندرج تحت عنوان تهويد الضفة الغربية.

الاسرائيليون مستمرون بصناعة واقع على الأرض يحوّل المستوطنات أو بعضها إلى مصدر رزق للفلسطينيين، وتحويلها بذلك إلى مراكز للاعتياش، وتحويل القرى الفلسطينية إلى أفلاك تجد خبزها عند المستوطنين. هذه ليست صفقة القرن، إنما هي سياسة اسرائيلية ثابتة وواضحة للعيان.

الملاحظ أن ترامب أجّل إعلان صفقته عدة مرات، وكلما اختار موعدا جديدا للإعلان، انتقل إلى موعد آخر. والسبب ليس لأنه يجري عليها تعديلا، لكن لأنه ومستشاريه يجدون مع كل موعد أن البيئة المتوفرة في المنطقة والتي يمر بها الفلسطينيون الآن غير مناسبة للإعلان ما قد يؤدي إلى فشل الصفقة. وهذا صحيح.

عدد من البلدان العربية يتفق مع صفقة القرن، والفلسطينيون يجمعون على رفضها بغض النظر عن محتواها، والإقليم العربي الإسلامي يعيش ظروفا مضطربة ومتوترة، وهناك في الإقليم قوى حاضرة وقوية يمكن أن تُفشل الصفقة إضافة لمنظمة التحرير، مثل حماس والجهاد وحزب الله وإيران. وإذا كان الاسرائيليون غير قادرين على إخضاع غزة وهي ذات المساحة الصغيرة، فهل سيقوون على إخضاع مساحات شاسعة بأعداد سكان كبيرة؟ لا هم ولا الأمريكيون قادرون.

صفقة القرن لم تُعلن بعد، وما نستند إليه الآن في الحديث عن الصفقة هو تحليلات سياسية وتسريبات إعلامية. في التحليل، نحن نستند إلى المقدمات التي حاكها ترامب، وبالتالي لا نستبشر خيرا من صفقته. المقدمات هي أن ترامب نقل سفارته إلى القدس، وأغلق مكتب منظمة التحرير، وقطع الأموال عن وكالة الغوث، وقطع أموالا عن السلطة، الخ. كل قراراته تصب في معاداة الشعب الفلسطيني والانتصار للاحتلال، ولهذا نتوقع أن تكون الصفقة امتدادا لعداواته للشعب الفلسطيني وانتقاصا خطيرا من حقوق الشعب الفلسطيني بخاصة حق العودة الذي هو الثابت الفلسطيني الأول. ولهذا نتوقع أن تنطوي الصفقة على القيام بإجراءات تؤدي إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية التي يتواجدون فيها أو نقلهم إلى جهة أخرى قد يكون اسمها فلسطين الجديدة.

صفقة القرن لن تقف ضد الاستيطان من حيث أن ترامب صهيوني أشد من الصهاينة، وهي ستنص على بنود تجعل من السهل على الاسرائيليين تهويد الضفة الغربية. وماذا عن السكان في الضفة الغربية وغزة؟ سيقدم ترامب إغراءات مالية للفلسطينيين وسيعدهم بفرص عمل وفيرة، وبرواتب وأجور عالية إن هم وافقوا على صفقته. ولديه كما لدى بعض البلدان العربية الاستعداد لتمويل إقامة مدن وقرى وإقامة مصانع ومزارع ومراكز خدمية من أجل تسهيل الحياة على الفلسطينيين في اماكن إقامتهم الجديدة. ومن ناحية أخرى، سيقوم الاسرائيليون بدعم من ترامب بالضغط على الفلسطينيين معيشيا وأمنيا من أجل دفعهم للهجرة خارج الضفة والقطاع. أي أن السياسة الترامبية ستشمل الإغراء والضغوط.

هل هذا مشروع قابل للتطبيق؟ لا. غزة تعيش أوضاعا قاسية جدا على مدى سنوات وبالرغم من ضنك العيش وضيق الحياة، بقي أهل غزة ثابتين صامدين وصدوا بشجاعة محاولات الجيش الاحتلال اقتحام القطاع. هؤلاء لن يجدوا حياة أشد قسوة من الحياة التي يخبرونها الآن، ولن يتمكن أحد من دفعهم خارج وطنهم. أما أهل الضفة الغربية فقد بقوا ايضا صامدين ورافضين لمخططات الاحتلال، كما تعلموا دروسا عبر التاريخ مفادها أن أسوأ القرارات تتمثل في ترك الوطن للغزاة الطامعين، وكل من يترك وطنه يجد حياة ذل ومهانة وفقر وإهانة.

العنصر الفلسطيني هو الحاسم في كل الموضوع. ماذا سيجني ترامب إذا وافق كل العالم على صفقته ورفض الفلسطينيون؟ الآن وتحت الظروف التاريخية القائمة، لن تتكرر تجربة عام 1948، وكل محاولات الاقتلاع لن تنجح. نحن لن نترك أرضنا ولن نترك وطننا ونحن هنا باقون، وهذا الاحتلال بإذن الله الى زوال. والظروف الدولية التي يزدهر فيه الإعلام ومبادئ حقوق الإنسان، وجمعيات الدفاع عن الحقوق، وتتميز بوعي سياسي عالمي لا تسمح بما سمحت به ظروف النكبة عام 1948.

المشكلة عندنا نحن الفلسطينيين. الظروف الداخلية التي نعيشها الآن مصابة بالشلل، ونحن منقسمون تائهون، ولا نملك رؤية أو خطة أو استراتيجية أو برنامجا لتطبيقه. نحن في حالة ضعف، ولهذا علينا أن نسارع إلى تغيير ما نحن فيه وأن نرص الصفوف بدون إقصاء أو عنصرية أو أحقاد وكراهية. ما نحن فيه هو نقطة الضعف الخطيرة التي ينفذ منها الأعداء.