الحل السلمي في ليبيا... والشروط المستحيلة

بقلم:د. حسن أبو طالب

ثمة جمود عسكري حول العاصمة طرابلس، هناك كر وفر بين قوات الجيش الوطني الليبي وبين المجموعات المسلحة التي تعدها حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج قوات مساندة. أما السياسيون من كلا الطرفين فيستمرون في التواصل المباشر مع قادة وزعماء إقليميين ودوليين بغية الحصول على تأييد لمواقفهم. وفي خلفية هذا المشهد تُصدِر بعثة الأمم المتحدة بيانات تؤكد فيها أنه لا حل عسكرياً للأزمة الليبية وأن الطريق الوحيد هو الحل السياسي التفاوضي. الأمر ذاته أكده رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، لقائد الجيش الليبي خليفة حفتر، في أثناء زيارة الأخير لروما، وكذلك جاءت تصريحات للرئيس الفرنسي ماكرون لتؤكد المعنى ذاته، مع استطراد بأن باريس لا تنحاز إلى أيٍّ من طرفي النزاع، وأنها تدعم حكومة الوفاق والدور الذي تقوم به البعثة الدولية ورئيسها غسان سلامة. الاتحاد الأوروبي ممثَّلاً في مفوضيته يتخذ الموقف ذاته، رافضاً العملية العسكرية الهادفة إلى تطهير العاصمة طرابلس من الجماعات المسلحة والإرهابية التي لا تخضع لمنظومة عسكرية رسمية، ومشيراً إلى ضرورة الحفاظ على سلامة المدنيين ووقف العمليات العسكرية.

الموقف على هذا النحو يصب في دعم الحل السلمي من حيث المبدأ، بينما لا أحد تحدث عن شروط هذا الحل التي يجب أن تتوافر مسبقاً حتى يمكن لمفاوضات أن تضع نهايةً لهذه الحالة العبثية. في السياق ذاته لكلٍّ من طرفي الصراع رؤية لما يسمى الحل السياسي. فالقائد العسكري البارز خليفة حفتر أوضح لرئيس الوزراء الإيطالي موقفه القائم على ثلاثة اعتبارات؛ أولها أنه لا تراجع عن تحرير وتطهير طرابلس من المسلحين والإرهابيين، وعلى إيطاليا أن تسحب مستشفاها العسكري من مصراتة حيث يحصل المسلحون والإرهابيون على العلاج، وأن على روما أن تقنع حليفها السراج بالابتعاد عن الجماعات الموصوفة بـ«الإرهابية» وأن يلتزم بالتفاهمات التي اتفق عليها من قبل خصوصاً في أبوظبي في فبراير (شباط) الماضي، وأبرزها السماح لقوات الجيش الوطني الليبي بدخول العاصمة طرابلس سلمياً.

المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق يرد على هذا الموقف بشروط مضادة، أنه لا اعتراف بأي دور سياسي لخليفة حفتر باعتباره يقود جماعة مسلحة لا تعترف بها حكومة الوفاق، حسب توصيف أحمد معيتيق، نائب رئيس المجلس الرئاسي، ولا تراجع عن مقاومة أي محاولة للسيطرة العسكرية على العاصمة طرابلس، وحكومة الوفاق تعمل على منع نشوء ديكتاتورية عسكرية في البلاد، وأخيراً لا مفاوضات سلمية إلا بعد عودة القوات التابعة لحفتر إلى حيث جاءت من الشرق.

تبايُن المواقف في مسارات أي صراع أمر طبيعي، ومن ثم تبدو نقطة البداية هي البحث عن فكرة أو مبدأ يمكن البناء عليه لوقف هذا الصراع عسكرياً ثم دفعه إلى مسارات سلمية تفاوضية. يُلاحظ هنا أمران؛ أولهما أن توصيف ما يجري في ليبيا، أو تعريف المشكلة ليس محل توافق لا داخلياً ولا خارجياً، فالجيش الليبي يبدأ بقيمة عليا هي مواجهة الجماعات الإرهابية وتحرير العاصمة ممن يسيطرون عليها وهم قوى غير شرعية بالمعنى القانوني، مستنداً في ذلك إلى أن البرلمان الشرعي يقر بشرعية ما يقوم به الجيش الوطني لحماية البلاد ولتأسيس مؤسسة عسكرية جامعة وتعمل وفق المعايير الدولية وفق القانون والدستور. أما حكومة السراج فترى الأمر من زاوية هجوم عسكري غير مبرر على العاصمة التي هي مقر الحكومة المعترف بها دولياً، ومن ثم فالمقاومة بكل السبل جائزة ويجب دعمها. والمفارقة في مثل هذا الموقف أنه يركز على مصير العاصمة طرابلس ويُطالب بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل تحرك القوات صوب الغرب، بما يعني الاعتراف بأن حدود تأثير حكومة الوفاق الوطني لا تمتد إلى الشرق الليبي حيث مقر البرلمان المعترَف به دولياً وفقاً لاتفاق الصخيرات، وحيث القوة الضاربة للجيش الوطني بقيادة حفتر. ومع افتراض قبول الأخير العودة إلى أوضاع ما قبل التحرك صوب طرابلس فسيظل السؤال قائماً: هل ستنتعش فرص الحل السلمي أم يعود الجمود السابق إلى ما كان عليه؟ الأقرب نظرياً هو إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيداً.

الأمر الثاني يتعلق بالدور الذي يمكن أن تقوم به البعثة الأممية في قيادة مسار سلمي تفاوضي يتطلب التواصل بحيادية مع أطراف الأزمة وتيسير التوافقات بينهم. وهو أمر فشلت فيه البعثة سابقاً، ويؤخذ على رئيسها انحيازه إلى أحد الطرفين وعدم إعجابه بطرف آخر لا يمكن استبعاده من معادلة الصراع أو معادلة التسوية، ورغم انتقاداته بين الحين والآخر للأدوار السلبية التي تقوم بها الجماعات المسلحة في طرابلس ومنها ما هي مصنفة إرهابية دولياً، فإنه تصور إمكانية الجمع بينها وبين باقي أطراف المعادلة الليبية على طاولة التفاوض وصولاً إلى صيغة سياسية قوامها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وهو ما تم رفضه.

غياب التعريف المتفق عليه يجعل من الصعوبة بمكان تصور وقف إطلاق النار الذي طالب به الرئيس ماكرون والمفوضية الأوروبية. صحيح أن الاعتبارات الإنسانية وحماية المدنيين الليبيين لا بد أن تكون مبدأ رئيسياً في أي تحرك مستقبلي، بيد أن افتراض أن تلك الحماية يمكن أن تحدث بمجرد وقف إطلاق النار لن يكون سوى وهم كبير. فالمشكلة ليست في وقف إطلاق النار وإنما في الأسس التي يستند إليها، وعلاقته بأي مسار سياسي لاحقاً. وثمة أسئلة كبرى يمكن طرحها من قبيل: مَن هم أطراف وقف إطلاق النار هذا؟ وهل سينطبق على جماعات غير نظامية تتبع أفراداً أو منظمات لا علاقة لها بفكرة الدولة والقانون؟ ومَن يضمن التزامها؟ وهل سترافق وقف إطلاق النار ترتيبات دولية نافذة لمنع حصول تلك الجماعات، لا سيما التابعة لتنظيم «الإخوان»، على أفراد وأموال وأسلحة تأتي من بلد آخر عبر البحر المتوسط، أم سيكون الأمر مجرد وقف عابر لإطلاق النار دون أي ضمانات تجعله خطوة لترتيبات حقيقية لحل الأزمة برمتها؟

أوروبياً، تم اقتراح آلية لوقف فوري لإطلاق النار تحدد خطوط التماسّ والمساحات التي يسيطر عليها كل طرف، ودور لبعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار، حال الاتفاق عليه. هذا الطرح يعني عملياً الإقرار بوجود قوات الجيش الوطني الليبي في كل المناطق التي سيطر عليها في الغرب وفي محيط طرابلس. وفي المقابل اعتراف بشرعية الجماعات المسلحة في المناطق التي ما زالوا يسيطرون عليها. وعلى هذا النحو هو نوع من تربيع الدوائر لا أكثر ولا أقل، واستمرار للنار تحت الرماد.

"الشرق الاوسط"