"العزل"... هاجس ترامب الذي لا يغيب!

بقلم: أحمد الصياد

لم يكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب يهنأ بدخوله "البيت الأبيض" رئيساً في العشرين من كانون الثاني (يناير) 2017، إلا ولاحقته محاولات عزله، التي لم تنقطع إلى الآن، ومن المتوقّع امتدادها؛ في ما يشكل سابقة فريدة؛ إذ لم يحدث أبداً أن قضى رئيس أميركي فترة رئاسته الأولى يطارده فيها "العزل"، منذ دخوله البيت الأبيض وحتى الانتخابات الرئاسية التي سيخوضها طلباً لفترة رئاسية ثانية.

وفقاً للدستور الأميركي، ينبغي أن يمرر مجلس النواب قراراً بعزل الرئيس، يعقبه محاكمة يجريها له مجلس الشيوخ بإشراف رئيس المحكمة العليا، بينما يؤدي مجلس الشيوخ دور المحلفين، مع اشتراط موافقة ثلثي الأعضاء على قرار العزل.

شهدت الحياة السياسية الأميركية محاولات عدة لعزل الرئيس، لكنها لم تكتمل أبداً؛ منها محاولة عزل الرئيس السابع عشر للولايات المتحدة "الديموقراطي" أندرو جونسون (1865 - 1869)، الذي تولى الرئاسة دستورياً في أعقاب اغتيال الرئيس إبراهام لنكولن (كان نائباً له) وأدى اليمين الدستورية بعد أقل من ثلاث ساعات من اغتيال الأخير، مساء الرابع عشر من نيسان (إبريل) 1865، وكانت محاولة عزله إثر صراعه مع الكونغرس بأغلبيته الجمهورية، حول إصراره على سرعة عودة الولايات المنفصلة إلى المظلة الاتحادية، ما أنتج واحداً من أشكال الصراع التشريعي، بلغ ذروته بسحب الثقة منه من قِبل مجلس النواب، للمرة الأولى في التاريخ الأميركي، لكنه نجا بفارق صوت واحد في مجلس الشيوخ.

ثم كانت محاولة عزل الرئيس الأميركي الـ 37 الجمهوري ريتشارد نيكسون (1969 - 1974)، في بداية فترته الرئاسية الثانية، لكن الرجل استبق العزل وقدم استقالته بسبب فضيحة "ووترغيت" الشهيرة. كما تعرض الرئيس الـ 42، "الديموقراطي" بيل كلينتون (1993 - 2001)، لمحاولة عزل في عام 1998 بعد اتهامه بالحنث باليمين الدستوري وعرقلة العدالة، في القضية المعروفة الخاصة بعلاقته بالمتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي، وتمت تبرئة كلينتون من قِبل الكونغرس في عام 1999، ليكمل ولايته الثانية.

ومن جهة أخرى، فإن للدستور الاتحادي الأميركي سيادة أعلى من دساتير الولايات، وهو أقدم دستور مكتوب في العالم، ومن الدساتير الجامدة، أي التي لا يمكن تعديلها بقانون عادي، إذ وضع بالاستناد إلى نظريات الفلاسفة: جون لوك، وتوماس هوبزن، وإدوارد كوك وجان جاك روسو، الذين أكدت نظرياتهم أهمية وجود مجتمع مدني تُحدد حقوق أفراده وواجباتهم، ويكون التزامهم السياسي تجاه المجتمع مؤسساً على المصلحة الذاتية والمنطق. وعُدل الدستور الأميركي للمرة الأولى في عام 1791 بإضافة ما سُمي بـ "وثيقة الحقوق" وتتضمن عشر مواد تؤكد مجموعة من الحقوق الشخصية تضمن حرية المجتمع الأميركي وتُهدئ من مخاوف معارضي الفيديرالية وقتئذ.

أولى محاولات عزل ترامب، بدأت بعد أسابيع قليلة من دخوله البيت الأبيض، استناداً إلى التعديل الذي أُجري في عام 1967 على المادة 25 من الدستور الأميركي، التي تجيز عزل الرئيس قبل انتهاء ولايته "في حال أبلغ نائب الرئيس وغالبية الموظفين الرئيسيين في الوزارات التنفيذية أو أعضاء هيئة أخرى، يحددها الكونغرس بقانون، رئيس مجلس الشيوخ الموقت ورئيس مجلس النواب، تصريحهم الخطي بأن الرئيس عاجز عن القيام بسلطات ومهام منصبه". وعبر عن ذلك كبير المستشارين السابق في "البيت الأبيض" ستيف بانون، الذي أُقيل من منصبه في آب (أغسطس) 2017؛ إذ صرح الرجل بأنه يتوقع عدم إكمال ترامب ولايته الرئاسية حتى 2020، وأضاف أنه حذر الرئيس (ترامب) من المادة 25 من الدستور الأميركي "التي يجهلها". وتزامن مع ذلك تصريح طريف أدلى به رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، السيناتور "الجمهوري" بوب كوركر جاء فيه أن "البيت الأبيض" تحول إلى "دار حضانة"، وقال أن "ترامب يقود الولايات المتحدة إلى حرب عالمية ثالثة".

وبمضاهاة ترامب بغيره من الرؤساء الأميركيين ممن تعرضوا لمحاولات عزل، علينا أن نخرج جونسون من بعض أوجه المقارنة، لأنه كان نائباً للنكولن وتولى الرئاسة بعد اغتيال الأخير؛ ومن ثم فهو لم يدخل انتخابات رئاسية. بينما نجد أن ترامب ونيكسون يتشابهان في فوزهما بفارق ضئيل في الانتخابات الرئاسية، إذ فاز نيكسون بفارق 1.5 في المئة، بينما فاز ترامب بعدد مراكز الاقتراع، مع خسارته نسبة المقترعين لصالح منافسته هيلاري كلينتون، في حين فاز بيل كلينتون بفارق كبير، وكان أول رئيس "ديموقراطي" يتم انتخابه لولاية ثانية منذ فرانكلين روزفلت (1933 - 1945". وعلى رغم محاولة عزله، إلا أن كلينتون غادر الرئاسة وفي حوزته أعلى نسبة موافقة ورضا من المواطنين وهي الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية. وكان كلينتون فاز في الانتخابات الرئاسية لعام 1992 بحصوله على 372 صوتاً مقابل 168 للمرشح "الجمهوري" جورج بوش الأب. وكان "الصفر" من نصيب الملياردير المستقل روس بيروت. وعلى رغم أن "كاريزما" كلينتون الطاغية تقابلها "شعبوية" ترامب الهزلية، إلا أن الملاحظ أن عوامل فوز كلينتون تتشابه ومثيلتها عند ترامب، فكلينتون استفاد من ضعف بوش الأب، مثلما استفاد ترامب من ضعف هيلاري كلينتون. علماً أن اختيار كلينتون أنهى سيطرة "جمهورية" على "البيت الأبيض" دامت 12 عاماً، بينما نجاح ترامب أنهى سيطرة "ديموقراطية" امتدت إلى 8 سنوات هي مدة حكم الرئيس أوباما.

وتواصلت محاولات "الديموقراطيين" عزل الرئيس "الجمهوري" ترامب؛ فكان اتهامه بـ "التواطؤ مع روسيا" في الانتخابات الرئاسية 2016، ومحاولته عرقلة العدالة، في ما عُرف بــ "تقرير مولر" (المدعي الخاص)، الذي استمر نحو عامين، وتلاه إعلان وزير العدل أنه لم يكشف عن دليل يُظهر أن ترامب عرقل التحقيق، في ما يتعلق بما إذا كانت حملته تواطأت مع روسيا أثناء الانتخابات الرئاسية 2016.

وبالفعل، استقبل ترامب تقرير مولر بتعبير "اللعبة انتهت". إلا أن صداماً نشأ بين مجلس النواب، بأغلبيته الجمهورية، مع وزير العدل وليم بار، طالبت فيه رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، بنسخة كاملة من التقرير، مع اتهام "بار" بالكذب على الكونغرس. وبالفعل، رفض ترامب نشر "تقرير مولر" كاملاً، ووصف هذه المطالب بأنها "غير قانونية".

وفي امتداد لمحاولات عزل ترامب، طلب المشرعون "الديموقراطيون" موافاة الكونغرس بالإقرارات الضريبية للرئيس ترامب عن أعماله الخاصة، وهو ما يرفضه بإصرار وزير الخزانة ستيفن منوشين، في ما يشير إلى تعدد محاور محاولات "الديموقراطيين" عزل الرئيس، مرة بسبب "ضعف قدراته" التي تتضمنها المادة 25 من الدستور، وأخرى باعتبار أن "سياساته تهدم القيم الأميركية وتطعن الحلفاء التقليديين في أوروبا وتفتح الأفق أمام حرب عالمية ثالثة تخوضها الولايات المتحدة"، وصولاً إلى مواجهة دستورية تفتح أبوابها المطالبة بإقراراته الضريبية، استناداً على قانون يمنح حق الوصول إلي الإقرارات الضريبية للرئيس، وهو ما علق عليه وزير العدل بأنه طلب "يفتقر إلى هدف مشروع".

وفي شكل عام، يتهم "الديموقراطيون" الرئيس ترامب وإدارته بشن "حرب متزايدة" على الديموقراطية الأميركية. وعليه، وفي أحدث نسخة من محاولات عزله، قدم برلمانيون "ديمقراطيون" يمثلون الجناح التقدمي في "الحزب الديموقراطي"، وبمشاركة منظمات تقدمية، في التاسع من شهر أيار (مايو) الجاري، عرائض موقعة من أكثر من عشرة ملايين مواطن، يطالبون فيها بعزل الرئيس. في حين يقف القادة "الديموقراطيون" المعتدلون موقفاً وسطاً، ذلك أن وجهة نظرهم تقول أن "من شأن إجراءات العزل التي لا تتمتع بشعبية كبيرة، إحداث انقسام داخل المجتمع الأميركي، (325 مليون نسمة)، في حين أن تهيئة المجتمع للانتخابات الرئاسية المقبلة في 2020 لا تتطلب ذلك.

وعليه، لا يمكن الوثوق في استمرار ترامب في "البيت الأبيض" حتى الانتخابات المقبلة، التي ستجري في جو من الإثارة ربما لم تشهده الساحة السياسية الأميركية من قبل، على الأقل في عصرها الحديث. إلا أن المؤكد، أن ترامب سيكون الرئيس الأميركي الوحيد الذي قضى فترته الرئاسية بأكملها تقريباً، وهو يكافح محاولات عزله.