من كُتيب قدوتنا إلى مأساة اللولو ...الصورة أم الحقيقة؟

بقلم: د. دلال عريقات

الجامعة العربية الأمريكية

"لن نرد على من يقولون أفكار غيرهم، ويتحدثون بلسان الآخرين، أو أولئك اللذين يعبرون عن رغبات "لمن يعنيهم الأمر" ولن نلتفت لمن لا يقرؤون، وإن قرأوا لا يفهمون، وإن فهموا فإنهم يفهمون ما يتهيأ لهم طبقاً لمواقف مسبقة وأحكام مقررة..."سيتفاجىء القارىء إذا علم أن هذا الاقتباس من الصفحة ١٩ لكتيب بعنوان "قدوتنا رئيسنا"، المبادرة التي أثارت غضب مجموعة من 'المثقفين' اللذين تناقلوا الخبر على منابر التواصل الاجتماعي، ورفض المثقفون إعتماد الكتيب كجزء من المنهاج الفلسطيني! - بعد القراءة، الكتيب لا يصلح ليكون جزء من المنهاج فهو وصفي وتجميعي بطريقة مجردة- المهم أن مئات وقعوا على العريضة التي طالبت بسحب الكتيب وعدم نشره وعدم قبوله في المنهاج حتى لا نرسخ الفكر الباترياركي الأبوي في المدارس وفي عقول الأجيال القادمة! بعد الحملة، خرجت الوزارة ببيان رسمي أكدت أن هذا الكتيب جاء نتاج مبادرة طلابية من مدرسة البيرة الجديدة في إطار مشروع "من أجل فلسطين نتعلم"، وأنه لم يكن هناك منذ إطلاق المبادرة أي توجه لدى الوزارة لاعتماد أيٍ من نتائجها كجزء من المنهاج ونفت الوزارة أي نية لتبني الكتيب في المنهاج كما أُشيع!

بالأمس، مرة أخرى مارسنا التهويل والتشهير والمبالغة بعيداً عن الشفافية والموضوعية وعدم تحري الدقة في النشر؛ الطفلة عائشة اللولو أمضت رحلة علاجها في القدس دون أهلها لكنها لم تتوفَ في القدس وحيدة كما تداول العديد من الصحفيين وأصحاب الرأي المؤثرين منهم، وتناقلت كثير من المنصات والمؤسسات خبر وفاتها وحيدة حتى أطلت الصحفية المهنية صاحبة المصداقية "كرستين ريناوي" الوحيدة التي تحققت من الأمر ونشرت حقيقة مختلفة عما أُشيع مفادها أن الطفلة تلقت العلاج في الضفة دون وجود أهلها إلا أنها توفت في قطاع غزة مع أهلها ! ثم خرج بيان من وزارة الصحة يوضح المأساة والظلم الذي تعرضت له الطفلة بحرمانها من ذويها أثناء العلاج.

أكتب مقال الْيَوْم لاستيائي من وضع النشر والناشرين، هناك محددات وأخلاقيات واضحة للنشر، لماذا نسمح بالقضاء على مصداقيتنا ولماذا نكرر هذه الأخطاء ونضيع الحقيقة؟ بالعودة للاقتباس أعلاه، هناك أحكام مسبقة وقرارات متخذة أي افتراضات سابقة وراء هذه الممارسات ولكن لا مبرر للوقوع بالخطأ وخاصة من قبل المثقفين والأكاديميين منهم حيث أن القاعدة الأساسية في البحث هي التحقق.

بعض الملاحظات في هذا السياق:

١-الصورة مهمة جداً ولكن الحقيقة أهم! صورة استفزت الجمهور، هكذا بدأت القصتان، بصور تم تأويلها وتداولها والاجتهاد بتفسيرها. من البديهي أن يتحمل من يبادر بنشر الأخبار غير الدقيقة المسؤولية بالضرر ولكن كل من يستعمل حسابه الخاص او وسيلته الإعلامية لمشاركة نفس الخبر دون تحقق أيضاً يتحمل جزءاً من المسؤولية فهؤلاء كان بإمكانهم التواصل مع وزارة التربية والتعليم في الحالة الأولى أو مع المستشفى أو وزارة الصحة في الحالة الثانية قبل تناقل الخبر "قص ولصق" ما قد يندرج تحت مسمى جريمة أدبية في عالم الأكاديميا! وهنا دعوة لمراجعة قوانين النشر الفلسطينية وتفعيلها ودعوة للناشرين للبحث عما وراء الصورة.

٢- المثقفون الأكاديميون الفلسطينيون قادوا حملة فيسبوكية لاسقاط وسحب الكتيب دون استقصاء متجاهلين أبسط قواعد البحث العلمي من موضوعية وجمع معلومات وتحقق؛ اختاروا منابر الفايسبوك وقادوا حملة للتجريح والتشهير دون استقصاء للحقيقة. فهم لم يقرؤا الكتيب ولم يتواصلوا مع أي جهة للتحقق حتى واكتفوا بإطلاق الأحكام والترويج لفكرة تبني الكتيب لأسباب عديدة. هذه ظاهرة خطيرة فهؤلاء هم منبع العلم المقيمين في الجامعات المسؤولين عن تعزيز ثقافة التفكير النقدي والبحث العلمي الموضوعي لدى الأجيال القادمة! وزير التربية والتعليم الجديد أكاديمي محترم وطالما عزز التفكير النقدي وهو من أسس الجسور العلمية التي بدأت تجمع الباحثين والأكاديمين الفلسطينيين مع نظرائهم في الخارج، وهذا كان يستدعي التحقق من المعلومة من قبل المثقفين بدلاً من مطالبته بالاستقالة.

٣- النظام السياسي الفلسطيني بصورته الحالية مُقصر جداً أمام الديمقراطية ومن حقنا جميعاً رفض الباترياركا ورفض العقلية السلطوية والنظام الأبوي بشكل عام ورفض تأليه الأشخاص، إلا أنه ليس من حق أحد التخوف من أفكار معينة وتداولها كحقائق فإخراج الأمور عن سياقها هو تعدٍ على حريات الرأي والتعبير وانتهاك لحقوق الآخرين.

٤- الجانب الإيجابي من الحدث هو التأكيد على الحريات في فلسطين ومقدرة الفرد على التعبير عن آراءه ورفض أفكار غيره في جو يسمح للاختلاف. حتى في ظل غياب السلطة التشريعية في فلسطين، الكل يعلم أن الشعب متيقظ ولديه وسائل عدة أهمها وأرخصها وأكثر توافراً وسائل التواصل الاجتماعي!

٥-عندما يختار اَي شخص خوض غمار العمل العام، فهو يعلم جيداً أنه أصبح تحت المِجهر وأنه سيحاسب على كل صغيرة وكبيرة، ولمن يتسائل لماذا هذا الحضور السياسي لحفل مدرسي؟ الحقيقية وبعد التحري ان المعلمة والطالبات حصلوا على مجموعة كتب الرئيس بالتعاون مع الشخصيات التي حضرت الحفل تقديراً لمهارات القراءة. قد نختلف مع هؤلاء ولا نرضى عن إدارتهم لملفات سياسية هامة إبتداءً من الانقسام الى تداول السلطات إلا أن اختلافنا معهم لا يلغي حقهم باختيار قدوتهم أو حقهم لدعم المبادرة!

٦- نشطاء التواصل الاجتماعي والصحفيين والمثقفين وصُناع الرأي، الرجاء العمل بمهنية ومحاولة تبني الإيجابية، الرجاء فتح ملفات حساسة وحقيقية مثبتة وفضح جرائم الاحتلال والانقسام وسوء الإدارة المتكررة يومياً مع التوثيق، فللأسف لم يخرج أي صحفي بتقرير وقصة الطفلة إلا بعد موتها، كان من الأجدى تسليط الضوء عليها خلال فترة العلاج والحرمان لخدمتها.

٧- بعد الُلبس الذي شهدناه وفي ظل الضجة الإعلامية، يتوجب علي التذكير بأن ‏عظمة الشعب الفلسطيني تكمن فى سعيه لحريته واستقلاله والحفاظ على كرامته الوطنية، ولا يمكن لشعب الشهداء والأسرى والجرحى والذى لا زالت جراح نكبته نازفة ان يقبل أن يرى بعيون قادته او أن يسمع بآذانهم أو أن يتحدث بألسنتهم.