لهذا أنشئت «منظمة التحرير الفلسطينية»

بقلم:عوني فرسخ

اغتنم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فرصة إلقائه خطاباً في جلسة افتتاح مؤتمر باندونج في 1955/4/19 ليطرح على شعوب آسيا وإفريقيا قضية الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، كما أنه حمّل الدول الكبرى مسؤولية الظلم البيِّن الذي وقع بشعب فلسطين. وبهذا يكون قد وضع أمام المؤتمر قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية والإنسانية المشروعة من منظور متميز، عما كانت عليه الحال منذ نكبة سنة 1948، من تركيز على مشكلة اللاجئين، وتجاهل الحقوق الوطنية والسياسية لشعب فلسطين، وحقه في تقرير المصير. وعليه واجه مؤتمر باندونج قضية الشعب العربي الفلسطيني كواحدة من قضايا التحرر الوطني المعروضة على المؤتمر.

فما كان من مندوب سيلان (سريلانكا حالياً) إلا أن طالب باستبعاد قضية فلسطن من جدول أعمال المؤتمر باعتبارها قضية إقليمية، الأمر الذي بدا الرئيس الهندي نهرو مؤيداً له. فتصدى له أحمد الشقيري، المشارك في الوفد السوري، بجرأة وشجاعة أدبية فاجأت المؤتمرين بقوله: «لا معنى لهذا المؤتمر إذا كان لا يناقش قضية كقضية فلسطين تقوم على الحرية وتقرير المصير». ورداً على تساؤل نهرو الاستنكاري أليست إسرائيل في آسيا، وألا يكفي العرب أن إسرائيل لم تدع إلى المؤتمر؟ قال الشقيري: «إن العالم العربي معجب بكفاح نهرو المجيد من أجل الحرية والاستقلال، وإن ذلك مدعاة لاستغراب موقفه المؤيد للاستعمار ممثلاً في إسرائيل والصهيونية، وإن تسع دول عربية تصر على وضع قضية فلسطين على جدول الأعمال، لأنها قضية الأمة العربية» وخاطب نهرو قائلاً: «إن كنت يا سيدي فتى الثورة فأنا يا سيدي فتى النكبة».

وبدا عبدالناصر مؤيداً لإدراج قضية الشعب العربي الفلسطيني على جدول الأعمال. وبالمكانة التي احتلها في المؤتمر كأحد زعماء كتلة الحياد الإيجابي التي تبلورت في المؤتمر، وبإجماع بقية ممثلي الدول العربية، بمن في ذلك ممثل العراق فاضل الجمالي، وممثل لبنان شارل مالك، الذين شددوا على تأييد الطلب الفلسطيني، ما دفع المؤتمر إلى إعلان تأييده لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي دعت إلى إعادة الفلسطينيين إلى وطنهم. وتبنى المؤتمر اقتراح شو إن لاي بإدارج القضية على بند حق تقرير المصير.

وفي مؤتمر القمة العربية الأول سنة 1964 طرح عبدالناصر إقامة «كيان» فلسطيني. وكان الشقيري حينها يمثل فلسطين لدى جامعة الدول العربية، واستجابة لاقتراح عبدالناصر قررت القمة أن «يسند إلى أحمد الشقيري ممثل فلسطين لدى الجامعة العربية الاتصال بالدول الأعضاء والشعب الفلسطيني بغية الوصول إلى القواعد السليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره».

وبعد مرور عدة أسابيع على تكليف الشقيري قدم لعبدالناصر مسودة مشروع لمنظمة فلسطينية تتضمن ميثاقاً وطنياً، ونظاماً داخلياً، وتوجيهات تتعلق بالنشاط السياسي والعسكري والمالي. وقد وافق عبدالناصر على الفكرة، وسمح له بزيارة حرس الحدود في غزة، كما فوضه بوضع مشروع قانون تجنيد إجباري فلسطيني.

وعمل الشقيري على تنفيذ تكليف القمة بالدعوة لعقد مؤتمر وطني فلسطيني، وبلغ عدد أعضاء المؤتمر الوطني الأول 422 عضواً.

وعقد المؤتمر في القدس صباح 1964/5/28 وانتخب الشقيري رئيساً له، وشكلت «لجنة لصياغة الميثاق» و«اللجنة العسكرية» وغيرهما من اللجان. وفي اليوم الثالث ناقش الأعضاء مشروع الميثاق وأقروه. وقد جاء متوافقاً مع الموقف القومي العربي من الصراع العربي - الصهيوني، ومع ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما يتضح من مواده التسعة والعشرين ومنها، «فلسطين وطن عربي تجمعه الروابط القومية بسائر الأقطار العربية التي تؤلف معاً الوطن العربي الكبير». و«شعب فلسطين يقرر مصيره بعد أن يتم تحرير وطنه وبمحض إرادته واختياره»، و«يكون للفلسطيني ثلاثة شعارات، الوحدة الوطنية، والتعبئة القومية، والتحرير. وبعد أن يتم تحرير الوطن يختار الشعب الفلسطيني لحياته ما يشاء من النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية». و«تحقيقاً لأهداف هذا الميثاق ومبادئه تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بدورها الكامل في تحرير فلسطين وفق النظام الأساسي لهذه المنظمة».

وتقرر أن يشكل المجلس الوطني الفلسطيني اللجان الضرورية لتسيير أعماله وتقدم توصياتها للمجلس فيناقشها ويصدر قراراته بشأنها، كما أوصى المؤتمر بإنشاء «الصندوق القومي الفلسطيني» واختار عبدالمجيد شومان ليكون أميناً عاماً لمجلس أمناء الصندوق.

بالاتفاق مع "الخليج"