اشكالية التنسيق الأمني

بقلم:دكتور: سعيد يقين

الهدف الاستراتيجي لكل حالات الاستعمار كان يستهدف دائماً الوصول بالشعوب إلى مجرد أجساد خاضعة وعقول خانعة وإرادة مرتجفة عبر استخدام أنظمة سيطرة وضبط واخضاع، ولا شك أن وسائل الاخضاع والسيطرة تتجه دائماً نحو التطور لمحاصرة قدرات المجتعات الوطنية التي تتوق دوماً نحو التحرر من آفات وحشية المستعمرين. في الحالة الفلسطينية، ومنذ لحظة اجتياح جيش الاحتلال خطوط الهدنة صارت الأراضي المحتلة فضاءً مباحاً لكافة أشكال الضبط والتحكم والاخضاع عبر بضع آلاف من الأوامر العسكرية التي اقتضت النفاذ عبر القوة المسلحة.

تدار الضفة الغربية بواسطة قيادة المنطقة الوسطى التي يتولى تنفيذ السياسات الرسمية فيها قائد هذه المنطقة، والذي يدير من طرفه شبكة معقدة من الدوائر والمؤسسات، وتشكل الإدارة المدنية وجهازي الارتباط المدني والعسكري التي جرى استحداثها بعد اتفاقية أوسلو واتفاقية المرحلة الانتقالية (1993-1995) الأدوات العملياتية لقائد هذه المنطقة وتتوزع أذرع الدوائر وفق ترتيبات مناطقية ودوائر أمنية متخصصة في كافة مجالات الحياة الإنسانية في المجتمع الفلسطيني.

ارتبط التنسيق الأمني في صياغات اوسلو والمرحلة الانتقالية بعملية سياسية ذات جوهر أمني مباشر يقوم على مبدأ واحد ووحيد هو تحديث عملية الاخضاع والسيطرة والتحكم في أدق مسامات وحركات المواطنين الفلسطينيين من خلال قنوات فلسطينية كانت تعتقد أن عملية التنسيق الأمني التي أثارت حفيظة المجتمع الفلسطيني ما هي إلاّ إجراءات سياسية على طريق انتقال السيادة إلى السلطة الفلسطينية مع نهاية المرحلة الانتقالية. في هذه السنوات الخمس والعشرين دمرت إسرائيل كافة شروط واستحقاقات العملية السياسية من جذورها. بل وامعنت في المزيد من العنف المتواصل للاخضاع الدائم للفلسطينيين للحيلولة دون تمام اقتراب الفلسطينيين من أية سيادة كانت مفترضة في العقل الفلسطيني ولكنها غائبة تماماً عن العقل السياسي الإسرائيلي. وفي ذات الوقت جعلت عقدة التنسيق الأمني هي القضية الأبرز في تعاطيها مع الفلسطينيين كسلطة سياسية وكشعب تحت الاحتلال، مما جعل مسألة التنسيق الأمني في محل رفض وإدانة من كافة شرائح الشعب الفلسطيني ومنظماته السياسية والمدنية، وكذلك في محل رفض الجهاز الرسمي الفلسطيني سواء في قيادة (م ت ف) أو السلطة الوطنية والذي عبّر عن نفسه من خلال قرارات المجلس المركزي واللجنة التنفيذية، لكن اللافت للنظر أن هذه القرارات الرسمية لم تخرج إلى حيز النفاذ رغم مضي أكثر من عامين على الإعلان عن ذلك. وفي اعتقادنا المتواضع فإن التنسيق الأمني المرفوض فلسطينياً والذي يشكل السيف المسلط على رقاب الواقعيين تحت الاحتلال بما فيها السلطة الفلسطينية، فإن شرط التحلل منه رسمياً وفعلياً هو ذات الشرط للتحلل من اشتراطات وبروتوكولات أوسلو واتفاقية المرحلة الانتقالية (1995)، وهذا التحلل يستوجب عملاً وطنياً وسياسات فلسطينية قادرة على دفع الثمن السياسي الذي بموجه تتم عملية مفارقة العملية السياسية (أوسلو وملحقاتها) إلى الأبد، والبحث عن بدائل سياسية كفاحية أخرى أكثر معقولية (وبأقل الأثمان) تضمن إعادة العلاقة بين المستعمر والواقعيين تحت الاستعمار إلى مساراتها ومفاهيمها وسياقاتها الطبيعية دون لبس أو التباس. ولندع ذلك جانباً ،،، فالتاريخ ينتج أدواته ولا يستعصي الفعل التاريخي على شعوب الأرض مهما كان المستعمر عنيفاً ومتوحشاً، والتاريخ الكولونيالي علم الناس أن الاحتلال يمكن أن يدار بواسطة جهاز تحكم عن بعد من دون تواجد عسكري، فكيف بالأرض الفلسطينية التي يتواجد عليها جيشان: الجيش الإسرائيلي بقواه وقوته وعتاده وبرامجه السياسية والأمنية ومؤسساته، ثم جيش من المستوطنين من ذوي بشرة بيضاء ومن ذوي ميول فاشية حقيقية عالية العنف المؤدلج بالأساطير والحكم باسم الإله رب إسرائيل وحدها. فكيف تدار البلاد الفلسطينية تحت هذا العنف، وما المتاهات التي آلت إليها سياسات التنسيق الأمني؟

العنف الاستعماري السافر في أرض البلاد لا يستهدف إطلاقاً، وليس مطروحاً في نظريته اطلاقاً تصوراً سياسياً يضمن حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ولذلك فإن سياسات المستعمر العنيفة انتجت فيما أنتجت تصوراً يسمح بالمزيد من التحكم والإخضاع النفسي والجسدي من خلال ما يطلق عليه (صفحة المنسق) أي منسق أعمال الجيش الإسرائيلي في (المناطق) في المفهوم الإسرائيلي. تلك الصفحة التي تدار من أجهزة الاحتلال العسكرية بقصد تطوير أدوات الإخضاع عبر أجهزة التواصل الالكترونية وإفشال التوجهات الرسمية الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني، وخلق أدوات (مستحدثة) تستهدف التواصل المباشر مع المواطنين الفلسطينين الذين يعايشون الألم الاحتلالي على جلودهم وفي قلوبهم وأمعاء أطفالهم وإنارة منازلهم ومياه بيوتهم ودواء وعلاج مرضاهم، وحقولهم ومراعيهم وكل تفاصيل حياتهم المسيطر عليها من جيش الاحتلال الرسمي وجيش المستوطنين منذ العام 1967.

إن الاحتياجات الإنسانية والحاجات البشرية في فلسطين هي ذات الاحتياجات والحاجات الإنسانية في ارض الله الواسعة، ولكن ما الذي حال دون وصول الفلسطيني إلى حاجاته واحتياجاته العادية التي كانت متاحة في أرضه ويده ذات يوم؟ أليس ذلك هو نظام الاخضاع والاستلاب والسلب والهيمنة الاستعمارية/ الاحتلالية؟ إذا كان الأمر كذلك فما جدوى صفحة المنسق الاحتلالي المفتوحة أمام المواطنين من ذوي احتياجات العمل والعلاج والسفر والحركة والبناء وغيرها؟ إذا كان الاحتلال قد صادرها وتحكم في مستواها ومداخلها وكل تفاصيلها وجعلها متاحة للمستوطنين وحرمها على المواطنين الفلسطينيين، وهم في نفس المكان الذي يخضع لنظامين وقانونين، أحدهما يعطي كافة التسهيلات للمستوطنين وآخر يحرم السكان الأصليين من شربة الماء؟ أليس في ادعاء المنسق صاحب الصفحة الشهيرة التي يدخل إليها الناس (للاستغاثة) امتهاناً آخر لكرامة الإنسان واعتداء فظاً على حقوقه في العمل والحركة والتعليم والغذاء والماء والبناء والعلاج...

أن في ذلك لعبرة أخرى من عنف الاستهداف بأسم الحاجات الإنسانية، وكأن صفحة المنسق الذي يمثل عنف المؤسسة الاستعمارية هي طاقة نجاه أضافها المستعمر لتعميق اختراق وتجويف وتفكيك المجتمع والإنسان الفلسطيني واختلاق تحولاً في مبنى التفكير الفلسطيني العام، لاستدامة عملية الاخضاع والهدم والتدمير الدائم لاغتيال المستقبل؟

وإذا كان الجميع يقول بدقة اللحظة التاريخية، وإذا ما أصبح الجميع يدرك استحالة التسوية مع هذا الاستعمار، إذاً أليس من الضرورة الوطنية قذف عقدة التنسيق الأمني في وجه أصحاب فلسفتها؟ على الأقل لوقف هذا النزيف البشري الفلسطيني على صفحة المنسق الذي يعمل على ترسيخ سلطة الاحتلال وتجذيرها وتقويض سلطة السلطة الفلسطينية من ناحية سياسية وتقويض سيادة الفلسطينيين على أنفسهم حتى في دفن الموتى ونقل المرضى، وحراثة الأرض وبناء بئر مياه أو شق طريق للمرور الآدمي الآمن.