أوهام صفقة القرن!!

بقلم: الدكتور ناجى صادق شراب*

لم تحظ كل المبادرات التي طرحت لتسوية الصراع العربى الإسرائيلي، وفى مركزه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما في ذلك مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو، كما حظيت به صفقة القرن من ترقب وجدل، والمفارقة أنها لم تعلن بعد، فيما سبقتها حملة من التسريبات والتصريحات الإعلامية حول مضمونها.

ويبدو أن هذه الصفقة تمر بمرحلتين أساسيتين: ألأولى مرحلة نفسيه سيكولوجية ولذا لا أستبعد مساهمة كبار المتخصصين في علم النفس في كيفية إخراجها، والمقصود هنا تهيئة العقل الفلسطيني والعربى لها. وفعلا نجحت هذه المرحلة إلى درجة كبيره.

والمرحلة الثانية وهي المرحلة الكبرى وتحتاج إلى إخراج سينمائي هيولوودي للإعلان عنها، هكذا تحولت الصفقة كأي فيلم أمريكي مشوق الكل ينتظر عرضه في دو رالسينما لكي يحضره ويتعرف على البطل والقصة والدراما ونهاية هذا الفيلم حزينة أم سعيدة.

هذه الصفقة تحمل الكثير من ألأوهام ، تزيد او تقل كما يراها ويقرأها كل طرف:

الوهم الأول : وهم الصفقة ذاتها ، وهل هي حقيقية ام انها مجرد وهم وخيال لتسوية صراع فشلت في حله كل المبادرات والمقترحات، وسمة من سمات ديمومته. هذه الصفقة ما زالت في طى الكتمان والسرية، والتأجيل صفة لازمتها، وطالما انها ما زالت في مخيلة مصمميها فقط ، فهى وهم إلى أن تعلن وتصبح حقيقية ، وقد تعلن أو تؤجل لأسباب كثيرة مفتعلة ومصطنعة.

الوهم الثانى: تجاهل وجود الشعب الفلسطيني، وهو الطرف الرئيس في هذا الصراع. صحيح ان السلطة الفلسطينية ضعيفه ولا تقدر على مقاومة الضغوطات التي قد تمارس عليها، لكن الحقيقة وليس الوهم ان هناك شعب تحت الاحتلال يناضل ويضحى ويستشهد أبناؤه، ولا يمكن لي صفقة مهما كان مصدرها وقوة من يقف ورائها ان تلغى وجود هذا الشعب وقدرته على التصدي ورفضها، والوهم يتعلق بكيف يمكن لصفقة ان تصاغ دون التفاوض مباشرة معه، ووهم التعامل مع غزة دون فلسطين ، فليس الجزء من يقرر السلام والتسوية.

الوهم الثالث: أن القوة فوق القانون وفوق الشرعية. فالمنطلق ألأساس التي تنطلق منه الصفقة أو مصمموها الثلاثة كوشنر وغرينبلات وفريدمان هو أن القوة هي من تحكم ، وهي من تضمن تنفيذ الصفقة ، ولا قيمة للشرعية الدولية التي حكمت القضية الفلسطينية منذ نشأتها، لذلك مهدت بإلغاء ملفي القدس واللاجئيين وكانه لا توجد قدس ولا يوجد لاجئون وهو وهم التصور والقفز عن الواقع. والوهم هنا كمن يغمض عينيه ، او كالطائر النعامة التى تدفن رأسها وتعتقد ان لا أحد يراها، وهي ترى كل من حولها، والوهم هنا ايضا ان تحدد ما تريد، ولذا جاءت التهديدات بالعقوبات والتخويف من رفضها.

الوهم الرابع : الاعتقاد ان العرب لا علاقة لهم بالقضية الفلسطينية ، وانها مجرد نزاع ثنائي على مبنى أو قطعة أرض صغيره، بل ويذهب الوهم أبعد من ذلك بربط مواقف الدول العربية من الصفقة بمستقبلها ومستقبل أنظمتها. متناسين أن لا دولة عربية يمكن أن تدخل في علاقات مع إسرائيل دون قيام الدولة الفلسطينية وموافقة الفلسطينيين وهذا ما أكدته قمة الظهران او قمة القدس وقمة تونس الأخيره.

الوهم الخامس :الترويج للصفقة بأنها تشكل منهاجا ورؤية جديدة للسلام مغايرة لكل ما سبقها من مبادرات. كيف لصفقة حقيقية أن تتجاهل الحد ألأدنى لأي تسوية بدون قيام الدولة الفلسطينية ، فالدولة الفلسطينية باتت حقيقة وأمرا قائما.

الوهم السادس: مرتبط بالرئيس ترامب وبقائه وفريقه في السلطة وفوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة. ماذا لو لم ينجح، فماذا سيكون مصير الصفقة؟

الوهم السابع: تجاهل دور القوى الدولية الفاعلة والتي لها دور مباشر كأوروبا وروسيا والصين وألأمم المتحده، حيث لا يمكن لأى صفقة ان تنجح دون وجود تحالف دولي قوي وفاعل.

الوهم الثامن: الإنحياز السياسى الكامل لإسرائيل ووجهة نظرها، وليس مستبعدا أن إسرائيل لعبت دورا مباشرا في صياغتها، فاي صفقة تحتاج لكي تنجح الى توفير الحد ألأدنى من التوازن السياسى وهو مفقود فيها.

الوهم التاسع: تجاهل كل العملية التفاوضية وما وصلت إليه من توافقات وتفاهمات تشكل الحد ألأدنى لنجاح أي مبادرة جديده. ففى العلاقات الدولية هناك مفاوضات ومعاهدات واتفاقات تراعي مصالح ألأطراف التفاوضية وليس صفقات تجارية تقوم على الربح فقط.

الوهم العاشر: يتعلق بكيفية إخراجها وآليات طرحها، هل بالتفاوض الثنائي ؟ وهل بعقد مؤتمر للسلام ؟ أم بفرضها بالقوة ألأحادية ؟ كل هذا في علم الغيب والوهم السياسي.

الوهم الحادي عشر: اسلام بدون الإستجابة للمطالب السياسية والقومية لأطرافها وهو وهم ، ووهم الحديث عن والسلام الاقتصادي ، فالسلام الحقيقي هو الذى يكون الاقتصاد أحد أدواته وليس العكس.

وأخيرا الهدف من الصفقة ان يفوز ترامب في الانتخابات ، فهى صفقة إسترضاء للإنجليكانيين الذين بيدهم نجاح ترامب ، وليس الوصول إلى تسوية تحقق معادلة التكافؤ في الحقوق .

*استاذ علوم سياسية - غزة