الجيوش العربية إلى فلسطين في 15 أيار سنة 1948م

هدير الضمير

الجيوش العربية إلى فلسطين في 15 أيار سنة 1948م:

للتحرير أم لحماية خط التقسيم؟

بقلم:ياسين عبد الله السعدي

وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني سنة 1918م وإن كان الجبش البريطاني قد احتل مدينة القدس بتاريخ 9\12\1917م ولكنه أكمل سيطرته سنة 1918م واستمر الاحتلال بتفويض من عصبة الأمم في ما سمي الانتداب حتى 15 أيار سنة 1948م.

عندما اطمأنت بريطانيا إلى تحقيق ما قامت به من إجراءات كانت تهدف إلى تسهيل تنفيذ وعد بلفور المشئوم باستملاك أكبر مساحة من الأرض وتدريب اليهود وتسليمهم بعض معسكراتها بما تحتويه من معدات وأسلحة استعدادا للانسحاب الذي حددته يوم 15 أيار وبعد استصدار قرار التقسيم رقم 181 بتاريخ 29\11\1947م.

بدأ اليهود بمناوشاتهم وتنفيذ هجماتهم تحت سمع القوات البريطانية وبصرها بل وبتشجيع منها قبل الانسحاب المفتعل فقامت بمذابح عديدة في مناطق متباعدة نسبياً لإرهاب الفلسطينيين وتخويفهم لدفعهم إلى الهروب وترك ديارهم وممتلكاتهم هربا من المذابح كما حدث في مذبحة دير ياسين قرب القدس في 9\4\1948م وراح ضحيتها بين 250 إلى 360 شهيداً ومجزرة عين الزيتون بالقرب من صفد التي حدثت يوم 1\5\ 1948م التي قتل فيها نحو 70 أسيراً فلسطينيا منِ قبل قوات البالماخ اليهودية وما تبع ذلك من مذابح على المنهاج نفسه كمجزرة الطنطورة 22-23 أيار 1948م ومجزرة الدوايمة 29\8\1948م ومذبحة عين الأسد شرق الرامة على طريق صفد وغيرها.

فعلت تلك المذابح فعلها فكان كثير من السكان يفرون خوفاً على أرواحهم وحفظاً لأعراضهم تاركين ديارهم بالإضافة إلى إشاعة انطلقت في ذلك الوقت بأن الملوك والرؤساء العرب شجعوا الفلسطينيين على النزوح لأن الحرب لن تدوم أكثر من أسبوع أو أسبوعين وسوف يرجعون إلى ديارهم.

تحت وطأة هذه الظروف والأوضاع أدخلت الجيوش العربية إلى فلسطين ولكن ليس لتحرير فلسطين كما أوهمونا في حينه وصدقناهم لنكتشف أن كل ذلك لم يكن إلا للمحافظة على خط التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة سابقاً وبموافقة منها وتشجيع من بريطانيا التي تمسك بالجامعة العربية التي انشأتها حديثاً سنة 1945م.

تبين أنه تم تزويد الجيش المصري بأسلحة فاسدة وهي فضيحة مدوية بالرغم من تضحيات الجيش المصري وبطولات جنوده وضباطه، ومثلهم الجيش الأردني بتضحيات أفراده من الجنود والضباط العرب، مع العلم أن ضباطه من الانجليز علاوة على إن القائد العام للجيش الأردني كان جلوب باشا البريطاني حتى العام 1956م، وكانت الجيوش العربية كلها تحت إمرة الملك عبد الله بتفويض من جامعة الدول العربية.

وأول دليل نسوقه للقارئ الكريم أن مهمة تلك الجيوش كانت حماية خط الهدنة من أطماع اليهود ورغبتهم في احتلال فلسطين كلها، أن الجيش العراقي عند وصوله إلى نابلس بادر إلى إرسال فوج بقيادة المقدم نوح إبراهيم عبد الله حلبي – قائد القوات التي وصلت جنين قبل المعركة وتمركزت في المقاطعة استباقا وخوفا من احتلال جنين ومع ذلك احتلها اليهود في 2\6\ 1928م لمدة يوم واحد وطردوا منها بعد قدوم الجيش العراقي بقيادة العقيد عمر علي وتحريرها في 4\6\1948م.

واصل الجيش العراقي تقدمه إلى طولكرم واستقر قائده العقيد عبد الكريم قاسم في بلدة قاقون وعندما زار وفد القيادة العراقية من بغداد برئاسة الأمير عبد الإله الجيش المتمركز في جنين بعد تحريرها قال له العقيد عمر علي أن الطريق مفتوح إلى العفولة ويمكن احتلالها بسرعة وسهولة فرد عبد الإله: التزم بالآوامر واثبت في مكانك ولم يحرك ساكنا بعد الهدنة الأولى، وبعد ذلك لم يشارك الجيش العراقي مباشرة في تحرير القرى الشرقية من جنين كعربونة ودير غزالة وفقوعة وجلبون بالإضافة إلى عرانة والجلمة ولكن حررها المقاتلون من الأهالي بالدعم غير المباشر بالسلاح بمادرة فردية من عمر علي ومساهمة الأهالي بقيادة المرحوم فوزي فياض جرار.

وعند الهجوم على المزار تم احتلال سلسلة الجبال التي تقع إلى الغرب منها وعندما وصلوا إلى منتصف القرية ولم يبقَ فيها مقاومة تذكر من قبل اليهود، جاءتهم الأوامر بالانسحاب وبعبارة (ماكوا أوامر) التي تدل دلالة واضحة إن الجبش العراقي مقيد بأوامر محددة لأن المزار، كما يبدو، كانت من ضمن ما قرره التقسيم لإسرائيل.

وخلال الهجوم على الناصرة من قبل القوات اليهودية استنجد المقاتلون العرب فيها بالجيش العراقي فجاءهم الرد: ماكو أوامر، كما ورد في مذكرات المرحوم إبراهيم سليمان جرار: سلمى والوطن).

لكن أوضح دليل على أن الجيوش العربية جاءت للدفاع عن خط التقسيم فقط هو أن القائد العام للقوات العراقية اللواء مصطفى راغب باشا استقال بعد تسلمه التعليمات وهو في نابلس لأنه اكتشف أن دخول القوات العربية كانت (مسرحية هزْلية) كما قال ذلك بشجاعة ووضوح وقدم استقالته ورجع إلى بغداد دون أن يشترك في الحرب.

جاء في سيرة القائد الأردني البطل المشارك في الدفاع عن القدس سنة 1948م: (وقف على السور فوق باب العامود في البلدة القديمة، وقال لمن تبقى من كتيبته، لست آمركم عسكرياً بالقتال، من اراد منكم الفوز باحدى الحسنيين فهنيئاً له، ومن اراد منكم العودة لأهله فليعد الآن، فبعد هذه اللحظة اما نصر او شهادة ...

شنت عليه العصابات الصهيونية البالماخ والأرغون أكثر من هجوم كاسح، وأحضرت القوات الصهيونية من أجل اخضاعه نخبتها العسكرية، وفي احدى ليالي الصمود، هجمت هذه القوات الخاصة من جهة باب الأسباط وباب العامود، فخسرت القوات الصهيونية الغازية قيادتها في الصف الاول والثاني وتبعثرت أشلاء قتلاهم على حواف أسوار القدس العتيقة، قاتل ورجاله وأهل القدس وانتصروا انتصاراً عسكرياً ومعنوياً قتلته الردة العربية بإعلان الهدنة.

حاولوا ابعاده عن القدس عبر اوامر من كلوب باشا وجامعة الدول العربية وحتى مندوب الامم المتحدة، ولكن تمسكه بالقدس وتمسك أهل القدس به أحبط كل المحاولات

حاصر الحي اليهودي في المدينة المقدسة، استنفر العالم اجمع عليه، وأصر على تنظيف القدس العتيقة من اليهود، ونجح فعلياً فقد كان يفاوض اليهود على الاستسلام أو الموت وأخرج اليهود من القدس العتيقة أذلاء صاغرين، حتى غدرت به أمته العربية باتفاق الهدنة ...

وقف في ساحات المسجد الأقصى وحوله اهل القدس مذعورين مغدورين وقال جملته الشهيرة ( يا أهل فلسطين بيعوا أبناءكم واشتروا السلاح، لأن العرب قد باعوكم)

كان يتفق مع ثوار فلسطين أن يرموا المستوطنات الصهيونية المحيطة بالقدس بالنيران في حال مرور دورياته بالقرب من هذه المستوطنات، كي ترد هذه المستوطنات على النار بالنار ويأخذ الدفاع عن النفس ذريعة لقصف هذه المستوطنات للالتفاف على أوامر قياداته بوقف إطلاق النار والتزام الهدنة، واستطاع ان يؤدب كل مستوطنات القدس.

تعاون مع شرفاء الجيش المصري في بيت صفافا وبيت لحم، مدهم بالمعلومات وامدوه بالذخائر التي كان يسربها لثوار فلسطين.

حكم القدس عسكرياً بعد النكبة رغماً عن انف الصهيونية وكلوب باشا والجامعة العربية ، تشبث بالقدس وتعلق أهل القدس به.

بعد استفحال المؤامرة وبيع فلسطين تمرد على أوامر قياداته ولجأ سياسياً الى مصر رحمه الله.