أهلا رمضان.. نكهة فلسطينية بالفرح والتكافل والصلاة حتى مطلع الفجر

- التمور والمخللات تتزاحم على الإفطار والخروب والتمر الهندي يتنافسان على عرش المائدة

- المواد الغذائية إلى ارتفاع.. انفلات الأسعار أم جشع التجار؟

- القطايف من الفخارة إلى أفران الغاز و8 خلطات لكرابيج حلب و"العوامة"

- سافَر إلى لبنان ليتعلم الكُلاج وأوصاه معلمه الرِّفق بالحليب

رام الله - "القدس" دوت كوم - خاصّ - رمضان شهر المحبة والرحمة والإيمان، تتجدد فيه العلاقات، ويقوى الترابط وتصفو النفوس من كل ما يكدرها. شهرٌ له أجواؤه الخاصة، تتلألأ لياليه بالفوانيس والأضواء، وتجتمع فيه العائلة، وتعمُّ الفرحة، بالرغم مما يتخلله من متاعب مالية ونفسية يعانيها عديد المواطنين نتيجة ارتفاع الأسعار واستغلال البعض الشهر المبارك.

وللاقتراب من كل ذلك، رصدت "القدس" إيقاع الحياة في الشهر الفضيل آناء الليل وأطراف النهار وتحدثت إلى الناس ولامست حبورهم عندما يحين موعد الإفطار، وخشوعهم بآداء صلاة التراويح، مثلما رصدت تذمرهم من الإاتفاع غير المبرر للأسعار.

فوانيس تزيّن ليالي رمضان

تُعَدُّ الفوانيس من معالم شهر رمضان الفضيل في العديد من البلدان، حيث يحملها الناس، ويخرجون بها إلى الشوارع، كما أن هناك العديد من الفوانيس الكبيرة والملونة مثبته في الميادين العامة، ابتهاجًا وتأهيلاً بحلول الشهر الفضيل، فأصبح الفانوس جزءًا لا يتجزأ من احتفالات الشهر المبارك ولياليه.

ومع اقتراب شهر رمضان، ينتشر باعة الفوانيس، التي تتنوع أصنافها، فمنها المصنوع من الخشب أو من الصاج، وبأحجامٍ مختلفة. كما تنتشر الزينة الخاصة برمضان في العديد من المدن، والمنازل، أيضًا، مثل: الهلال والحبال الضوئية.

WhatsApp Image 2019-05-14 at 12.45.41 PM

يقول صاحب محلات مسلماني لبيع الهدايا إن رمضان هو موسم بيع الفوانيس المضيئة، التي يُقبل عليها الناس بكثرة في شهر رمضان، حيث اشترى كميات كبيرة وبيعت كل أنواعها من بداية الشهر، يشترونها من تجار الخليل الذين بدورهم يستوردونها من الصين، الأمر الذي يطرح تساؤلًا دائمًا ومكررًا: لماذا تُصنَع فوانيس رمضان في الصين، وليس في الدول العربية والإسلامية؟

كما يشير مسلماني إلى إقبال الناس على شراء الفواكه المجففة المخلوطة مع المكسرات، والحلويات المغلفة كالحلقوم المعجون بالفستق الحلبي والعادي من تركيا.

القطايف.. من الفخارة إلى أفران الغاز

يقول أبو محمد الزين صانع القطايف: "توارثنا هذه المهنة أبًا عن جد، وكانت عائلتنا الزين مشهورة بصناعة الحلويات، خاصة القطايف، قبل حرب 48 في مدينة اللّد، وكل جيل يسلم جيلاً الصنعة، حيث وصلنا حتى الآن إلى 15 جيلاً مع صناعة القطايف، وكل شهر نستأجر قهوة في وسط رام الله، لنصنع القطايف ونبيعها على مرأى من الناس".

WhatsApp Image 2019-05-14 at 12.45.20 PM

وعن طريقة صنع القطايف، يحدثنا أبو محمد: "كانت القطايف في الماضي تُصنَع على الفخارة، ثم صارت حاليًا على أفران الغاز، أما عن سر الصنعة فمن المعروف أن القطايف يصنع من الطحين والسميد ثلثين بثلث، ولكن من الصعب صناعتها بالطعم نفسه، فمثلًا شوربة سيدنا إبراهيم في الخليل، لو أخذنا كل مكوناتها وحاولنا إعدادها في المنزل، فهل ستكون بالمذاق نفسه؟ بالطبع سيكون طعمها مختلفًا، وهكذا القطايف".

أما عن سعر القطايف، فيقول أبو محمد: "نحن ملتزمون بما حددته حماية المستهلك بأن سعر كيلو القطايف 10 شواكل للكيلو الواحد".

Qatayef-cook-2017

كرابيج حلب و"العوامة.. أكثر من 8 خلطات

يخبرنا بليغ الزين عن صناعة كرابيج الحلب ولقمة القاضي (العوامة): "أمضيتُ تسع عشرة سنة في هذه المهنة، ولقمة القاضي وكرابيج حلب لها أُصول نابلسية وشامية، والصائم يشتهيها، فقد لا تكاد سفرةٌ تخلو من هذه الحلويات، وأسعارها معتدلة، فسعر الكيلو من الصنفين لا يتجاوز العشرين شيكلاً".

أما عن الخلطة، فيقول الزين، الذي يستأجر مكانًا خاصًا في سوق الخضار المركزي في البيرة مع بداية رمضان كل عام: "المسألة ليست طحيناً وحسب، بل هناك أسرار في صناعتها، فأنا أضع في عجينتي التي أصنعها أكثر من 8 خلطات خاصة، ولا أُعلمها لأيّ شخصٍ غريب حتى شريكي، فقط أُعلمها لابني الذي سيرث عني"، مشيراً إلى أنه يقوم بإعداد هذه الحلويات بتفانٍ، فهو يحب مهنته.

سافر إلى لبنان ليتعلم الكُلّاج

يتحدث رافئيل بنضا عن مسيرته مع صناعة الحلويات، فقد سافر إلى لبنان سنواتٍ عدة لتعلُّم الصنعة، وذكر لنا أنّ معلمه كان يغلي حليب الحلويات على نارٍ هادئةٍ بالساعات. وقال له ذات مرة: "هذه البكتريا في الحليب يجب أن تكون صديقتك، فهي التي تصنع لك الطعم المميز إذا استطعت التعامل معها بالشكل الصحيح".

WhatsApp Image 2019-05-14 at 12.47.11 PM

يصنع بنضا الكُلّاج فقط في رمضان، حيث يعتني بصناعته، ويتفرغ لها في هذا الشهر، ويتفنن في إعداد الجبن أو القشطة اللتين تُعدّان من مكونات الكُلّاج الرئيسية، كما يتميز بصناعة الحلوات النادرة وغير المعروفة في بلادنا، مثل: "الحلاوة بالجبن" والنمورة بالقشطة و"لقمة الملك"، وهي عبارة عن رولات قشطة مع شعر الكنافة.

أما أسعار هذه الحلويات، فثابتة في رمضان وغيره، حيث إن كيلو الكلاج أربعون شيكلًا.

موسم المخللات والتمور والشطة

يستأجر العم أبو الروم محلاً في وسط البلد لبيع المخلل والمكبوس والشطة والتمر بالمفرق أو الجملة، ويقول عن ذلك: "الصائم يشتهي كثيراً خلال يومه، والمخللات تفتح النفس بشكل أكبر على السفرة، لذلك يشتريها الناس بكثرة في رمضان، ما يشكل لي موسماً للبيع".

أما عن التمور، فيقول أبو الروم: "أفضل أنواع التمور الفلسطينية هو تمر "المجهول"، وهو تمر ريحاوي يتميز بالحبة الكبيرة الطرية مع كونها جافة قليلًا وليست رطبة، وسعره مناس، حيث إن الكيلو بعشرين شيكلاً فقط، وهو سعر جيد مقارنةً بتمور التصدير".

WhatsApp Image 2019-05-14 at 12.47.39 PM

مشروبات رمضان بين جيلَين

عصير التمر واللوز والسوس والخروب مشروبات رمضان التي يصنعها سعيد جاد الله في كل موسم، ويُبَسّط فيها مع ثلاجته قرب ميدان ياسر عرفات (دوار الساعة) في رام الله، ويحدثنا عن ذلك فيقول: "أصنع عصائر رمضان من خمس عشرة سنة، وأعمل في مواسم الأفراح مع جِرار الخروب وموسم رمضان، أشتري المواد الطبيعية للعصائر المستوردة من تركيا بأغلبها، وأُصنعها ببالغ الدقة والنظافة، حيث كل علبة لدي مختومة".

WhatsApp Image 2019-05-14 at 12.46.37 PM

ولدى سؤاله عن أكثر الأنواع المرغوبة لدى الناس من هذه العصائر، أخبرنا أن الجيل الجديد يشتري عصير التمر الهندي، فيما الجيل القديم يفضل الخروب والسوس بكثرة".

أجواء عائلية واستياء من غلاء الأسعار

تقول المواطنة أميرة أبو دية إنها أكثر ما تحب في رمضان أجواءه، خاصة الفطور والسحور، ولّمة العائلة، والسهرات الرمضانية. لكن، مع ذلك، فإن الأسعار تكون عالية جدًا في رمضان، خاصة الخضار والفواكه، حيث ترى أبو دية أن الأسعار زادت بما يقارب ثلاثة أضعاف عن السابق.

محمد وباسل مدين يعبران عن سعادتهما برمضان وحبهما للشهر الفضيل، ولكن هناك استياء من زيادة الأسعار، خاصة في الدواجن واللحوم بشكل كبير، ويرغب محمد في أن يحتج الناس ويخرجوا في مظاهرةٍ ضد ذلك، لأنه لا أحد ينظر إلى الأعباء التي تُثقل كاهل المواطن، خاصة مع أزمة الرواتب.

أما باسل، فيقول إن "رمضان جميل لأنه يغيّر روتين حياتنا، ولكن هناك عادات سيئة ترافق رمضان، مثل الإفطار الجهري والمشاكل والعصبية التي تسود الأجواء بسبب الصيام. أما الأسعار، فهناك عروض عديدة تقوم بها محلات السوبر ماركت، ولكن المشكلة في أسعار الخضار واللحوم".

بورصة اللحوم والدواجن إلى ارتفاع

يقول العم مصطفى الزعتري، وهو صاحب ملحمة في رام الله: لم تتم زيادة سعر اللحوم حتى الآن، بالرغم من أن أصحاب المواشي في إسرائيل زادوا السعر عليهم، مؤخراً، على كل عجل وزنه 500 كيلوغرام ما يقارب الألف شيكل، ولكن الملحمة لم تزد في أسعارها، ولكن من المتوقع حدوث زيادة على سعر العجل بنسبة 5 بالمئة في الأيام المقبلة.

أما بالنسبة للدجاج، فيوضح صاحب المحل أن سعر الدجاج ارتفع في السابق، وليست للأمر علاقة برمضان، حتى بلغ 17 شيكلاً للكيلو، بسبب أعياد اليهود، ثم عاد وانخفض إلى 15 شيكلاً، فيما يشير إلى أن سعره أرخص من ذلك في بير زيت، لأن المزارع التي تورد الدجاج والعلف مكانها في بيرزيت، لذلك فإن السعر هناك يقل بشيكلين، أي أن كيلو الدجاج هناك بـ13 شيكلاً فقط.

أسعار الخضار والفواكه: ارتفاع طبيعي أم جشع تُجّار؟!

وكأنه سيناريو معتاد، ترتفع أسعار الخضار والفواكه في رمضان كلَّ عام، فهل فعلاً توجَد أسباب حقيقية لهذا الرفع، أم أنه جشع تجار؟! وقد اشتكى عدد من المواطنين في أحاديث منفصلة لـ "القدس" دوت كوم من تواصل ارتفاع الأسعار في الخضروات والفواكه، خاصةً في شهر رمضان، إذ تشهد البندورة والخيار والليمون والبطيخ ارتفاعاً غير مبرر.

يقول بائع الخضار أحمد إن 70% من خضار وفواكه البلد يتم استيرادها من إسرائيل، وبسبب زيادة الطلب عليها خلال شهر رمضان يرفع التجار سعرها بطبيعة الحال، خاصة الخيار والبندورة، فمثلاً سعر البندورة كان في السابق 5 شواكل للكيلو الواحد. أما الآن، فأصبح 7 شواكل.

وأرجع عدد من أصحاب محلات الخضار والفواكه الارتفاع في الأسعار إلى أن التجار والموردين يتحكمون في الأسعار، مستغلين شهر الصيام.

موائد الطلاب.. تخطيط وتوزيع أدوار

كثير من الطلاب والطالبات في السكنات الداخلية، لهم أجواؤهم الخاصة في رمضان. ففي كل يوم، يجتمعون ويُخططون لمائدة الإفطار، التي غالباً ما تكون جماعية. هناك بعض الطلبة يقومون بأنفسهم بإعداد وجبات الإفطار لهم ولعددٍ من زملائهم، وهناك مَن يتولون شراء الحلويات، أو التنظيف وغسل الأطباق بعد الإفطار.

الطالبة سندس سراج من جامعة بير زيت، وهي في سنة تخرجها، وتُعد مشروع تخرجها، تقول إنه رغم صعوبة ذلك في ظل الصيام، فإنها تُحب رمضان وأجواءه كثيراً.

أما الطالبة مريم شاهين، من جامعة بيرزيت أيضاً، وهي مسيحية، فتقول: بالرغم من أنني مسيحية، فإنني أُحب مشاركة صديقاتي أجواء رمضان، وأعتبره موسماً للحب والعطاء يتشارك فيه الجميع.

أما الطالبان يوسف قدح وعلي الشوامرة اللذان يدرسان تخصص التربية الرياضية في الجامعة ذاتها، ومعظم الحصص هي عبارة عن تدريبات، وبالرغم من الأجواء الحارة والصيام، فإن شهر رمضان يعني لهما الكثير، حيث السهرات الرمضانية الجميلة واللمات العائلية والأكلات الطيبة االمرتبطة برمضان.

ويرى الطالب عبد الغني، من كلية التجارة، أن رمضان فرصة جيدة للتقرب من الله، حيث الناس تتدين بشكل أكبر أو تحاول على الأقل، ولكنه ينتقد استغلال التجار لهذا الشهر الفضيل ورفع الأسعار.

هنية: لا بد أن يكون المستهلك واعيًا ولا يهجم على الأسواق

وعن تحديد أسعار السوق من قبل جمعية حماية المستهلك ووزارة الاقتصاد، يقول صلاح هنية، رئيس الجمعية، في حديث خاص لـ"القدس" دوت كوم: "قبل أسبوع من رمضان، عُقد اجتماع من وزارة الاقتصاد وجمعية حماية المستهلك مع كلٍّ من تجار الجملة والمستوردين لتحديد سقوف الأسعار في الأسواق، وعملنا على حالة توافقية لا تضر بالمستورد ولا بالمواطن، بحيث وضعنا الأسعار في منطقة متوسطة بناءً على حسابات محددة".

ويضيف: "نحن بالعادة لا نعاني من المواد التموينية، فعادةً ما تكون هناك عروض للمواد الغذائية في المحلات، المشكلة الأساسية تكون في أسعار اللحوم، سواء الحمراء أو البيضاء، التي تحددت من البداية بسبعين شيكلاً لكيلو لحمة الخروف وثلاثة عشر شيكلاً لكيلو الدجاج، حيث إن دراستنا تقول إن كمية الخراف الموجودة من المزارع الفلسطينية مع المستوردة كافية، ويجب أن لا يتحجج البعض بقلتها حتى يزيد السعر على المستهلك، لأن القدرة الشرائية للمواطن متراجعة فعلاً في الوقت الحالي، خاصةً مع اقتطاع نصف الراتب للموظفين العموميين، وكذلك بسبب القروض، لذلك لا بد من مراعاة كل هذا، وتخفيف العبء عن المواطن".

ويتابع: "كانت هذه الخطوة من وزير الاقتصاد لتأكيد أسعار السلع بحد ذاتها، وتوزيع هذه الأسعار على الجميع، كما كان هناك تعاون بين وزارتي الزراعة والاقتصاد لتحديد أسعار الخضروات والفواكه، خاصة مع الموزعين".

وفي تعليق هنية على ما جاء على لسان أصحاب مزارع الدواجن وارتفاع أسعارها، يقول: "هناك مشكلتان في الدواجن، فعمليات تهريب الدواجن من إسرائيل أدت إلى إغلاق الكثير من مزارع الدجاج الفلسطينية، وكذلك الأعياد اليهودية، مؤخراً، تسببت بكساد الكثير من اللحوم البيضاء في إسرائيل، ما جعل عملية تهريبها إلينا أكثر".

ويوضح: "أما الآن، فهناك دورة دواجن جديدة ستكون جاهزة خلال الأيام المقبلة، والمفروض أن تكون الكمية كافية بناءً على ذلك، وبالتالي يجب أن لا تتغير الأسعار بتاتاً خلال رمضان، وقد قمنا بتجهيز قائمة بأسماء المحلات التي تلتزم بالأسعار، مثل مؤسسة بير زيت ومحلات البيرة وما حول دوار المنارة، التي تبيع الكيلو بـ13 شيكلاً فقط، ولكن قد تجدها بـ18 شيكلاً في رام الله التحتا وبعض الأماكن، ولذلك ستكون هناك جولة رقابية من جمعية المستهلك لإلزام الباعة بالأسعار، فالجميع تحت القانون".

أما عن الأسعار المتفاوتة للمشروبات الرمضانية، فيعلق هنية على ذلك بقوله: "يختلف سعر عبوة التمر الهندي أو السوس أو الخروب من مكانٍ إلى آخر، ففي بعض الأماكن تُباع العبوة الواحدة بثمانية شواكل، وفي أماكن أُخرى يصل سعرها إلى ما يُقارب عشرين شيكلاً. هذه كماليات لا داعي للتهويل بشأنها أو التبليغ عنها".

وأشار هنية إلى حادثةٍ متعلقةٍ بأسعار القطايف، إذ قال: "ذات مرة وصلتنا شكوى ببيع القطايف بسبعة عشر شيكلاً في محلٍ ما، والأصل أن تكون أحد عشر شيكلاً، وحين ذهبنا بدورية إلى ذلك المحل قال الناس هناك: نحن نعرف أنه بسبعة عشر شيكلاً، ونريد أن نشتري منه".

ويوضح: "نحن نركز على أسعار المواد الغذائية الرئيسة من خضروات ولحوم ومواد تموينية".

ويختتم هنية حديثه بالقول: نحن نريد من المستهلك أن يكون واعياً، لا بد أن يخفف المستهلك من هجومه على الأسواق حتى لا يقوم الباعة بالاستغلال ورفع الأسعار بسبب هجوم الناس، باختصار "ما رح يخلص إشي تخافوش!".

ذكريات وأهازيج ومدائح نبوية

تحدثنا السبعينية خديجة الشريف من مدينة الخليل عن ذكريات رمضان في صغرها، فتقول: "كان رب الأسرة يشتري بشكل مسبق كل أغراض رمضان من أكل وحلويات ولحوم، والزوجة تُعد السميد والطحين وتصنع الحلويات بنفسها، كما أنها تقوم بصناعة المكابيس والمخللات بشكلٍ مسبقٍ، خصوصاً عند اقتراب رمضان، والمربى كذلك كان يُصنع منزلياً".

وتضيف: كان الأولاد الصغار يُخيطون أكياس قماش ليضعوا فيها الترمس والنقود، كما كان معظم الأولاد والبنات يصنعون فوانيس رمضان يدويّاً. وعند اقتراب الأذان تنشغل النساء بتحضير الموائد. وأما الصغار، فكانوا ينتظرون خارجاً ليسمعوا مدفع الإفطار، وفور إطلاقه يُخرجون ما في جيوبهم من أكياس ويأكلون حصيلة ما جمعوه طيلة اليوم، ثم يدخلون للإفطار.

وتشير الشريف إلى أن الأطفال كانوا كل مساء يتجمّعون عند أبعد منزلٍ في الحي، يحملون فوانيسهم وينطلقون من هناك في الشوارع وهم يغنون أغنيات رمضان، بصوتٍ عالٍ:

"يا حج يوحيا

اركيني حصانك يوحيا

لأركب وسافر يوحيا

ع بلاد إسكندر يوحيا

إسكندر مات يوحيا

خلف بنات يوحيا

قصب التبلح مسدودة

سلّكناها بالعودة واطلعنا عراس الواد..".

وتقول الشريف: إن الصغار كانوا يواصلون غناءهم وهم في الشوارع حتى يصلوا إلى السوق، فعندئذٍ يتوجهون إلى بائع الحمص والفول، يشترون من عنده، ثم يعودون إلى منازلهم.

وتتابع: أما الرجال، فيذهبون إلى صلاة التراويح في المساجد، ويتحدثون ويتسامرون مع بعضهم البعض، ثم يعودون ليأكلوا الحلويات من أيدي نسائهم مثل حلويات السميد والبلوظة.

وعن أبيها، تقول الشريف: "إنه كان يوقظ الجيران عند السحور، فكان ينادي بالمدائح النبوية وهو يمشي بين أزقة الحي، وينادي كل جار باسمه عندما يمر من أمام بيته، حيث كان المسحراتي يسير في مركز المدينة فقط. أما الأحياء التي في الأطراف، فكان البعض يضرب على صينية أو ينادي مثل أبي رحمه الله".

وحين سألنا الحاجة خديجة عن رأيها: مَن أجمل رمضان في الوقت الحالي أم في الماضي؟ أجابت: "زمان رمضان كان أحلى بالطبع، هناك أمور كثيرة اختفت في رمضان في الوقت الحاضر، مثل مدفع رمضان، المسحراتي، الأولاد والبنات الذين كانوا يغنون كل مساء، كانت الجمعات العائلية حميمية وأكثر دفئاً في الماضي".