هل تقع الحرب في المرة القادمة ؟!

بقلم: راسم عبيدات

أغلب التحليلات العسكرية والسياسية والإعلامية والصحفية منها اسرائيلية وفلسطينية وعربية وعالمية تُجمع على أن العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة كان اكثر من تصعيد وأقل من حرب، وأتى في ظروف حرجة تشهدها المنطقة تأخذ منحى تصعيديا أيضاً، حيث الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية على ايران دخلت حيز التنفيذ "، التصفير" النفطي لصادرات ايران، وتصاعد العقوبات الإقتصادية والمالية الأمريكية على حزب الله اللبناني، فأميركا تعلن عن جوائز بالملايين من الدولارات، لكل من يدلي بمعلومات عن مصادر تمويل حزب الله. وكذلك على الجبهة السورية تجري الإستعدادات لفتح معركة إدلب وتصفية الجماعات الإرهابية وفي المقدمة منها "جبهة النصرة"، في حين وجدنا بأن نتنياهو يواجه مع حلفائه وشركائه من أحزاب اليمين واليمين المتطرف، إستعصاءات حول تشكيل حكومته، موضوعة غزة واحدة من جوهر خلافاتها.

الجولة الجديدة من التصعيد، التي يدرك جميعنا بعيدا ً عن " الفذلكات" الكلامية، انها كانت بمثابة مفاوضات تحت النار، فإسرائيل تريد أن تخلق قواعد اشتباك جديدة: تهدئة مقابل تهدئة. وبالمقابل شعرت المقاومة الفلسطينية بأن حكومة الإحتلال قد خدعتها في المرة السابقة، حيث كانت تريد وقف التصعيد والرد من المقاومة، لكي تتمكن من تجاوز وعبور العملية الإنتخابية للبرلمان الصهيوني، " الكنيست"، بأمن وسلام، حيث رفضت تطبيق ما جرى التوافق عليه من تفاهمات برعاية مصرية، من تخفيف للحصار المفروض على القطاع، وبما يشمل تحسين البنية التحتية وخدمات شبكات الكهرباء والمياه، وتوسيع مساحة الصيد، وإستمرار ادخال الوقود والأموال القطرية. ولذلك هي كانت معنية بالرد على العدوان الإسرائيلي ،وطبيعة رد للمقاومة تميز هذه المرة بالقوة النارية الكبيرة والأكثر دقة ونوعية والأبعد مدى،والتي كانت تؤشر الى أن أي تصعيد اسرائيلي خطير سيقابله رد فلسطيني بضرب اهداف استراتيجية اقتصادية وعسكرية وامنية ،والضرب في العمق الإسرائيلي.

رغم قول رئيس الأركان الإسرائيلي، كوخافي، ورئيس جهاز الموساد، أرغمان، بان ظروفاً سرية وخاصة، هي التي أجبرتهم على وقف العدوان، ولكن من الواضح بان توصيتهما للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر"الكابينت" بعدم تصعيد العمليات العسكرية على قطاع، هي نتاج تقديرات عسكرية، ترجح بان التصعيد، ليس فقط سيكشف مدى تآكل قدرة الردع الإسرائيلي، بل سيعري هذين الشخصين، واللذين كانا يزايدان على نتنياهو بانه متساهل تجاه قطاع غزة وفصائل المقاومة، كما ان استمرار التصعيد، سيؤدي الى تشققات وتصدعات في المجتمع الإسرائيلي، وخاصة بأن اكثر من ثلث سكان غلاف غزة من الاسرائيليين هربوا نحو الشمال.

لو استمر العدوان على قطاع غزة، فالمقاومة والشعب في القطاع،ليس لديهم ما يخسرونه، في حين ستكون خسائر اسرائيل كبيرة، حيث ستشل تجارياً واقتصادياً وستتوقف حركة القطارات والمطارات والموانىء، وهذا يعني استمرار النزوح والهجرة العكسية لخارج دولة الإحتلال،وأيضاً هناك موعد مهرجان الأغنية الأوروبية" اليوروفيجين" في تل أبيب والذي كلف اسرائيل ملايين الدولارات،والمتوقع ان يشاهده اكثر من (600) مليون شخص،يضاف لذلك بان إحتفالات اسرائيل بذكرى " إستقلالها" قريبة جداً، ولذلك لا بد من قرار يوقف هذا التصعيد، بينما تفاخر نتنياهو بأنه وجه ضربة قوية لحماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة.

هذا التصعيد سيستمر في المستقبل وعلى نحو اوسع واكبر، وكل من يقرأ او يفهم الف باء السياسة،يعرف تماماً بأن غزة ستكون امام تصعيد أخطر، وخصوصاً ان تنفيذ ما يسمى بصفقة القرن الأمريكية ،المشروع الأمريكي- الصهيوني، الغربي بالتواطؤ والمشاركة من بعض اطراف النظام الرسمي العربي، لا يستقيم مع وجود قوى وفصائل مقاومة وسلطة معادية في قطاع غزة، واسرائيل لن تقبل بتعميم تجربة حزب الله اللبناني على ما تسميه حدودها الجنوبية، ولذلك لكي تمر صفقة القرن الأمريكية فلا بد من القيام بعمل جراحي عسكري كبير على شكل تصعيد او حرب شاملة تجتث قوى المقاومة وأسلحتها النوعية من ترسانة الصواريخ والراجمات وتدمير الأنفاق، لكي تعبد الطريق أمام ما يسمى بصفقة القرن، التي تصفي مرتكزات القضية الفلسطينية من قدس ولاجئين الى قبر حل الدولتين وضم المستوطنات كبيرة وصغيرة، وضم محدود لمناطق(سي) من الضفة الغربية،لكي يتحقق مشروع نتنياهو للسلام الإقتصادي -تحسين شروط وظروف حياة الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال بأموال عربية ودولية، وطبعاً دون أن تدفع أمريكا من جيبها دولاراً واحداً فالأصدقاء والحلفاء " الخيرين" من مشيخات النفط العربي،هم الملزمين بالدفع.

اسرائيل كانت ترفض ان يكون هناك علاقة بين معزل غزة مع ما يتبقى من معازل الضفة الغربية،وتريد تكريس الإنفصال بينها، وكانت تطمح بان يتم ربط معازل الضفة مع الأردن،مع بقاء السيادة الإسرائيلية عليها، ولكن رفض الأردن لذلك جعلها تفكر بإيجاد رابط ما بين معزل غزة مع معازل الضفة الغربية، ولتحقيق هذا الغرض، فهي تدرك تماماً بأنه مع اقتراب موعد طرح صفقة القرن الأمريكية المستجيبة لكل مطالبها، لا بد من كسر حلقة غزة وتدمير قدرات قوى المقاومة فيها.

ولذلك هي ستعمل مع امريكا لتحقيق هذا الهدف، عبر طريقين، الأول السماح لدول خليجية نفطية بدفع الأموال الى سلطتي غزة ورام الله، لتعزيز مفهوم السلم الإقتصادي بعيداً عن أية حقوق وطنية وسياسية، أي اعتماد سياسة التطويع عبر الإغراق بالمال والرخاء الإقتصادي ومقايضة ذلك بالحقوق الوطنية.

اذا ما فشلت هذه الطريقة في تطويع سلطة حماس وقوى المقاومة في القطاع، فهذا يعني انه لا بد من كسر حلقة غزة اولاً، فهي التي تملك القوة والمقاومة والسلاح، بينما حلقة الضفة وسلطتها يجري التخلص منها بسهولة وإيجاد البديل. ولكن هل تستطيع اسرائيل في تصعيد قادم او حرب قادمة كسر حلقة المقاومة بما يسمح بتمرير صفقة القرن من بوابة غزة؟ وخصوصاً أن موازين القوى في المنطقة وترابط حلقات قوى محور المقاومة، وما يراكمه من انجازات وانتصارات، قد تلجم اسرائيل وحلفائها عن شن حرب شاملة على القطاع، وخاصة بان ما ستدفعه اسرائيل سيكون ثمناً باهظاً بشرياً واقتصادياً،وكذلك حالة الممانعة الشعبية الفلسطينية والشعبية العربية،ستشكل عامل ضاغط في رفض هذه الصفقة المستهدفة المنطقة العربية باكملها.

صحيح ان التصعيد قادم نحو غزة كما قال نتنياهو، ولكن وصول هذا التصعيد الى حالة حرب شاملة، ق يكلف اسرائيل ثمناً باهظاً، يزيد من تآكل قوة ردعها، ويجبرها على تقديم تنازلات سياسية اكبر حجماً.