عندما تصبح مواجهات غزة حلقة مغلقة!

بقلم: الدكتور أحمد جميل عزم*

انتهت ثلاثة أيام من الحَرب بين الإسرائيليين وفصائل المقاومة في قطاع غزة. المُلاحظ أن المسؤولين الإسرائيليين يجتهدون لإعلان أنّ الحرب لم تنته، والادّعاء أنّ المواجهة هذه المرة تضمنت اختلافاً نوعياً، ولعل هذا الادّعاء يهدف إلى تبرير هذه الحلقة الجديدة من المواجهات التي باتت دون معنى استراتيجي بعيد وواضح، يمكن تبريره للرأي العام الإسرائيلي، ولكن ربما تكون أيضاً للتمهيد لخطوات واعتداءات إسرائيلية جديدة محتملة، ومختلفة.


يُعتقد أنّ المواجهة الأخيرة بدأت عبر إطلاق رصاصات قنص من غزة على جنود إسرائيليين، رد عليها الإسرائيليون باغتيالات لكوادر مقاومة، تبعه الإطلاق المعهود للصواريخ من قطاع غزة بنحو 700 صاروخ، وقتل 4 إسرائيليين، مقابل استهداف 350 هدفا في قطاع غزة، و27 شهيدا.


الإسرائيليون يشددون على ثلاث نقاط، أولها، أنّه جرى هذه المرة استخدام عنف نوعي أكبر من العادة، فقال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس إنّه تم إسقاط وقصف أبراج هذه المرة منذ بدء الهجمات، ومنذ اليوم الأول، بينما العام 2014 جرى ذلك بعد 50 يوما، كما يقول. وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنّه جرى ضرب الجهاد الإسلامي وحركة “حماس”، “بقوة شديدة” وتحدث عن تدمير أبراج وعن اغتيالات.

النقطة الثانية التي يشدد عليها الإسرائيليون، أنّ الضربات أو المواجهات لم تنته، فرغم الإعلان الفلسطيني والمصري عن وقف اطلاق نار، وتوقف اطلاق النار فعلا، وبدء الحياة بالعودة بشكل طبيعي حتى لدى الإسرائيليين، شدد نتنياهو في تصريحات صحفية أن الضربات ستستمر، ويجب “الصبر”، وربما هذا نوع من قطع الطريق على من سينتقد وقف إطلاق النار دون نتيجة حاسمة.

النقطة الثالثة التي يشدد عليها الإسرائيليون، أنّ “حماس” والجهاد، هما اللتان طلبتا وقف إطلاق النار “بعد تعلم الدرس”، في إشارة إلى موقف ضعف لهذه الفصائل.


هذه التصريحات ربما محاولة للتبرير من قبل الإسرائيليين، أنّ ما جرى ليس مجرد حلقة جديدة متكررة بلا معنى، وأنّ الإسرائيليين ما زالوا معرضين لخطر القصف الفلسطيني، دون نهاية حاسمة للأمر، ودون سبب واضح. فالاحتجاج الإسرائيلي غير الرسمي الأساسي، لماذا لا يجري إنهاء هذا الوضع نهائياً. في المقابل، حاولت، حركة “حماس” باعتبارها السلطة الحاكمة في غزة، أثناء المفاوضات، على لسان رئيس الحركة اسماعيل هنية، القول إنّ المفاوضات تتضمن مطالب تتعلق بتعهد الجانب الإسرائيلي بعدم استهداف الاحتجاجات المدنية في مسيرة العودة، بمعنى أنّه أيضاً حاول التأكيد أن هناك جديدا هذه المرة.


في الواقع يدفع الفلسطينيون، وحتى إسرائيليون ثمن عدم رغبة الحكومة الإسرائيلية بحسم أي شيء، فهي لا تريد الدخول في حرب شاملة للقضاء على المقاومة لأنّ ثمنها باهظ على الإسرائيليين، ولأنها غير معنية بتغيير الواقع السياسي في غزة حقاً، ولكنها لا تريد أيضاً تفاهمات علنية وواضحة مع “حماس”، أو مع أي طرف فلسطيني.
ما يريده الإسرائيليون، هو إضعاف حركة “حماس” والجهاد عسكرياً، وأمنياً، ولكن ليس سياسياً. فالمطلوب هو الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني، ما يعني أن لا بأس من وجود “حماس” كسلطة أمر واقع في غزة، ولكن مع القيام بضربات أمنية متتالية.


هذا الوضع يعني استمرار النزيف الفلسطيني، رغم أنّ الجانب الإٍسرائيلي، خصوصاً المدني، يدفع الثمن، ولكن حكومته لا تكترث طالما هي في وضع سياسي مريح نسبياً، من زاوية إعادة الانتخاب المستمر.
هذا الوضع يعني أنّه على حركة “حماس” أن تشعر بالقلق لسببين الأول، أن الإسرائيليين يعتقدون أنهم ينالون قبولا عالمياً، وحتى إقليمياً، لتوجيه المزيد من الضربات في غزة، وهناك سعي إسرائيلي واضح للتهيئة لأجواء للقيام باغتيالات أكثر في غزة، ولضربات أكثر. والسبب الثاني، الذي يجب أن يدعو للقلق، هو أنّ حالة الاستنزاف، الأمني والمعيشي والحياتي ستستمر، وأنّه فكرة تهدئة طويلة الأمد، وتفاهمات واسعة تتضمن رفع الحصار، لا يبدو أنّها ضمن أجندة الحكومات الإسرائيلية، بغض النظر عن أي مرونة ممكن أن تبديها “حماس”.
هذا يعني أنّه دون الوصول لإعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وحل المشكلة فلسطينياً، والخروج باستراتيجية مقاومة جديدة، فإنّ الحلقة المفرغة من الاعتداءات والتضييق ستستمر وتتوسع.

* جامعة بير زيت - عن "الغد" الأردنية