صبحي غوشة.. نهاية مراحل عربية ومقدسية

بقلم: الدكتو أحمد جميل عزم*

عرفت الدكتور صبحي غوشة، الذي رحل عنا هذا الأسبوع، منتصف التسعينيات من خلال جمعية حماية القدس. كُنت ألتقيه لسنوات، في عيادته بالشميساني، وفي بيته بالصويفية، وفي الجمعية. والآن مع رحيله، أفهم تلك المرحلة؛ مرحلة نهاية الحرب الباردة، بشكل أفضل، بل ويقرع رحيله مُنبها لفهم مراحل في تاريخ العرب والقدس؛ تحديدا عصر الحداثة، وعصر النضال بالقوة الناعمة. 
ولد غوشة، العام 1929، عاصر ثورة 1936، وكان من أوائل الأطباء، وأوائل الأطباء المسيسين، شأنه شأن جورج حبش ووديع حداد، كانوا يدرسون الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، وفتحوا عيادات مسيّسة، بعد ذلك، وإن تمركز حبش وحداد في عمّان، عاد هو لمدينته القدس، وكان قيادياً معهم في حركة القوميين العرب، وأسس جمعيّة القاصد الخيرية، التي أسست مستشفى المقاصد، وظل قياديا في الجمعية من 1954 – 1966. لكنه بعد احتلال العام 1967، وكما يذكر يزيد صايغ في كتابه “الكفاح المسلح”، أسس غوشة “منظمة النضال الشعبي الفلسطيني”، التي تحولت لاحقاً إلى جبهة النضال الشعبي الفلسطيني. ومن الشرح الذي يقدمه صايغ، يتضح أن “منظمة النضال” التي كان من قياداتها أيضا فيصل الحسيني، تبنت ثلاثة مبادئ، هي أولا، تنظيم المقاومة المدنية، بما فيها مقاطعة البضائع الإسرائيلية، ثم تنسيق المقاومة بين القوى والفصائل المختلفة، وثالثا، المقاومة المسلحة، التي لم تكن مستعدة لها بعد. 
لا يتسع المجال لنقاش تاريخ وتحولات جبهة النضال، لكن المميز، أنّ تفكير غوشة والحسيني ومعهم آخرون، تضمن مبكراً النضال المدني، والفكر الوطني الجامع غير المؤدلج. 
بعد اعتقاله مرتين العام 1967 و 1969، ثم إبعاده للخارج العام 1971، ذهب للكويت، حيث فتح بابا جديدا للنضال المدني. 
يعرف من كانوا في الكويت، دوره بشكل أساسي في بعث النضال الثقافي والمدني، سواء من خلال فرقة القدس للتراث الشعبي، أو فعاليات مقدسية مختلفة عديدة، ومع عودته للأردن، بعد حرب الخليج العام 1991، أعاد إحياء “لجنة يوم القدس” التي انطلقت في الكويت أصلا، وصار مؤتمرها واحتفالها السنوي وإصداراتها جزءا من المشهد الثقافي المستمر الخاص بالقدس. وفي العام 1996 عمل مع آخرين على تأسيس جمعية حماية القدس. وبقيت عيادته مركزا سياسيا ثقافيا، فيه من الكتب والملصقات الكثير، ورأيت كيف كان يعامل مرضاه، ومما لا أنساه وأنا في غرفة الانتظار، عندما ارتبك مريض أنهى الكشف، وهو يخبر الممرضة أنه لا يملك دفع أجرة، فأخبرَت الطبيب، الذي جاء ودسّ في جيب المريض دنانير، وعاد إلى غرفته. 
جاء تأسيس جمعية حماية القدس، وإعادة إطلاق يوم القدس، في وقت كانت الفصائل تتراجع فيها، والنشاط المؤدلج ينتهي (كان عصر الحداثة للأفكار الخلاصية الكبرى ينتهي)، لذلك وجد شبابٌ فيها ملجأً. عارض بعض مسؤولي جمعية حماية القدس نشاط الشباب المستقل فيها. اقترح د. صبحي استضافتنا لنتحدث مع القائمين على الجمعية، وهناك دافع القائد الراحل حمد الفرحان، المؤسس أيضاً لحركة “القوميين العرب” بقوة عن دور الشباب، وحسم أمر تشكيل لجنة شبابية. 
الآن بالتفكير في هذه السيرة، يتضح كيف كان غوشة في الخمسينيات، جزءا من فكر الحداثة، الحزبي القومي المُسيس المؤدلج، ثم يتضح أنه من بواكير التحول نحو النطاق الوطني في العمل، (بغض النظر عن أنه ظل مؤمنا بالقومية) ولكنه كان عمليا، وربما ضمنيا، جزءا من مسألة التحول إلى فكرة العامل الوطني الذاتي الفلسطيني، في النضال، وربما يفسر هذا تحول جزء مهم من مؤسسي جبهة النضال إلى حركة “فتح” التي قادت هذا الفكر. ثم انه مع نهايات الحرب الباردة، وصعود فكرة القوة الناعمة، التي تركز على كيفية تقديم الذات والهوية كأداة تأثير، ركّز على هذا الجهد. 
هناك أجيال في الكويت والأردن تتذكر بحنين جهود غوشة، وربطه إياها بالقدس وفلسطين. 
سبق رحيل غوشة بيومين رحيل الحاج زكي الغول (1926 – 2019)، وكلاهما كان جزءا من آخر مجلس بلدي وأمانة منتخبين للقدس، (انتخب غوشة عامي 1959 و 1963)، ويمس رحيلهما مجلس أمانة القدس الذي جرت عملية إعادة إحيائه، ولو رمزيا في تسعينيات القرن الفائت، وكان الغول يشغل منصب أمين القدس، ما يطرح سؤالا عن مستقبل تلك المحاولة التي تتعلق بآخر مجلس بلدي عربي منتخب للمدينة.

جامعة بير زيت - عن "الغد" الأردنية